تحميل...

حكاية بلد- بلدتي بين الأمس واليوم      

معين أبو عبيد
نُشر: 14:14

 بلدي، آه يا بلدي! يا ارض المجد والعزّة يا حكاية لوحة فنية متكاملة، وتاريخًا حافلًا، قصص الوديان، الينابيع، التّلال، الأزقّة والحارات، كروم العنب، التّين والصّبر البلدي. تنبض بالحياة، تشرق شوارعها وازقتها بالضياء، تاريخها شاهدًا على مجدها، تروي قصصًا بطولية تتعالى فيها حكايات الأطفال، ضحكتهم العفوية واصوات الحرفيين من السّوق القديم وهم يصنعون بسواعدهم مستقبلا.

طالما تغنّينا بطيبة ودماثة أخلاق أهلها بكل أطيافها، وعلاقاتهم الأخوية المبنية على حسن الجوار، ملقى الأديان السّماوية، بلد العطاء والعقول المتّزنة، بوابة العلم والمعرفة، مركز الثقافة ومصدر الحضارة. اليوم خيّم الحزن على ارجائها، تقلّصت الاحلام من عيون أهلها وجفف الزمن فيه ينابيع الامل وتركتها الرياع تائهة تبحث عن ماضيها.

نعم، وألف نعم، أبكي ماضيك المُشرّف، وأخاف من حاضرك، وقلق على مستقبلك، وأتساءل للمرّة المليون: هل ما زلت فوق أمواج الحياة الصّاخبة المعقدة والمركبة تبحثين عن مرسى الأمان؟ ناصية طرقك ورودك، مؤسساتك، قلعتك الصّامدة المهجورة، تراب أرضك، شوارعك. ورشات العمل والمحلات كلها تتذمر، تبكي بمرارة ولوعة، تستغيث من جرحها النّازف على ما وصلت إليه من أوضاع آخذة بالتردّي والانحطاط تجاوزت كل الخطوط، ولم تعد تطاق.

وا أسفاه، لم يعد فيك ما يثلج الصدر ويبعث الطمأنينة، تلوثت مياه ينابيعك وجداولك العذبة، شوّهت رموز حضارتك وتاريخك وصورتك التي طالما كانت الأنقى أشبه بلوحة بائسة مهجورة، اقتحمت أسوارك ودخلوها من كل زاوية، وجوه المارّة فيها غير مألوفة ولا مرغوبة وقد باتت بيوتها غير آمنة. حتى ضحكة أطفالها مختلقة، على وجوههم البريئة تبدو الحيرة وانعدام الاستقرار والراحة ، وأهلها الأصليون في حيرة من أمرهم، يشعرون أنهم لاجئون وغرباء في أرضهم وبلدهم التي شيّدوها وبنوا بسواعدهم سناسل أراضيهم، وحفروا آبار الماء داخل وخارج البيوت والطوابين من الطين.

نعم، لم تعد غريبة حكاية بلدي، وكأنها استسلمت ورفعت الرّاية البيضاء!  تمر على كل حادثة عنف وتصرف لا حضاري وأخلاقي مرّ الكرام. يُقتل الرجل في وضح النهار أمام المارّة، زوجته وأولاده، نكتفي بالاستنكار والتنديد ونقوم بواجب العزاء وننتظر الحادثة القادمة.

هذه الوضعية والمشاهد، جعلتني أغوص مرة تلو الأخرى عميقًا ومطولا. أتأمل شوارعك، سطوحك المتشابكة التي استعملت جسورا للتنقل واللقاءات بين الجار وجاره، أرفع رأسي نحو سمائك المكفهرة، وأترقب نجومك الخافتة، ربما أرى بصيص أمل. قد يبعث الأمل ببزوغ فجر جديد يسدل السّتارة على هذه المسرحيّة المقيتة التي ملّها الصغير قبل الكبير. ويتساءلون إلى متى؟

بلدتي تستحق الأفضل وقادرة على النهوض من جديد، هيّا بنا نعمل معًا وبنوايا من دافع المسؤولية، لنوقف نزيف جرحك ونزرع الأمل في أرضك الخصبة، لنعيد ماضيها ونحافظ على حاضرها ونرتقي بها نحو ركب الحضارة السريع. 

...