اهمية القارئ.. وروعة القراءة
اكتسب القارئ في الادبيات الحداثية وما بعدها، اهمية خاصة، ورأت هذه الدراسات فيه الطرف الآخر المكمل للعملية الابداعية كونه المتلقي لما يكتبه المرسل، وقد كتب في موضوع القارئ والقراءة العديد من الابحاث، ومما يذكر في هذا السياق ان الدكتورة كلارا شجراوي خصصت رسالتها للقب الثالث لدراسة نظرية الاستقبال، وبإمكان من يود العودة اليها ان يفعل فقد صدرت في كتاب خاص ضمن منشورات كلية القاسمي، وحمل العنوان ذاته.
يختلف القراء في مفاهيمهم ومشاربهم، بالضبط كما يختلف المبدعون، فلكل منهم اسلوبه وطريقته في القراءة، فمن القراء من يقرأ تزجية لوقت الفراغ، ومنهم من يُقبل على قراءة الكتب للتسلية، بل انه يوجد هناك قراء يقرأون الكتب للمتعة وهناك من يقرؤون الكتب للفائدة وزيادة الاطلاع.
واضح من هذا انه من حق كل قارئ أن ينتهج النهج الذي يراه مناسبًا له، لرؤيته وهدفه، ما دام امره يدور في منطقته الخاصة به، غير ان الامر يختلف عندما يدخل القارئ إلى مناطق آخرين، ففي مثل هكذا حالة يفترض في هذا القارئ توفر عدد من الامور، احاول ان اوردها فيما يلي بإيجاز:
الجدية في القراءة: فأنت عندما تُقبل على قراءة طرح ما لكاتب آخر يُفترض فيك أن تُقبل على قراءته بمنتهى الجدية، وأن تتعمّق فيما يقوله ويضمّنه كتابته من آراء وافكار، فاذا ما احتجت إلى التعمق في فهم فكرة او طرح اعملت فكرك فيها مقلبًا اياها على وجوهها المختلفة، واذا ما طالعتك فيما تقرأه له فكرة لم يسبق لك أن قرأتها او اطلعت عليها وعلى مستتبعاتها من تداعيات، بذلت كل ما بوسعك من جهد كي تطلع على بُعدها ومفهومها، واشير في هذا السياق إلى ما قاله الكاتب المصري العربي زكي نجيب محمود عمّن تعرضوا له بالنقد وهم كثيرون، فقد قال عن هؤلاء انهم ناقشوه دون أن يتعمّقوا في قراءة ما كتبه وضمّنه كتاباته من آراء وافكار، واستثنى من هؤلاء الكاتب عباس محمود العقاد قائلًا انه ناقشه مناقشة من قرأ وفهم وانه لهذا.. يختلف معه لكنه يحترمه.
سعة الاطلاع والمعرفة: يُطلب من القارئ عند دخوله في نقاش مع كاتب آخر، مساجلةً او تعقيبًا، ان يكون مطلعًا في الموضوع المطروح للنقاش، واسع الاطلاع، ويتوجب عليه في هكذا حالة الا يدخل في مناقشة مواضيع معرفته فيها متواضعة ولا ترقى الى معرفة من يناقشه، ذلك ان التساوي في المعرفة يفترض التقارب في الاطلاع والمعرفة، والا تحول النقاش إلى نوع من السفسطة والجدل العقيم.. من اجل تنفيذ هذا بإبداع، يفترض ايراد طرح الفكرة المعترض عليها بوضوح، بعدها يطرح القارئ، وقد يكون هنا كاتبًا، لا تفرق كثيرًا، ما يراه من طرح بديل. في مثل هكذا يُضحى النقاش ذا هدف ومغزى يرمي إلى زيادة العلم والمعرفة، كما يبتعد عن السفسطة وما يطلق عليه الفرنسيون قولهم" جوار الطرشان".
فهم المقروء: عندما ينشب نقاش بين طرفين، حول نقطة ما مختلف عليه بينهما، اعتقد انه من واجب المناقش-بكسر القاف- أن يفهم ما يكتبه المناقش-بفتح القاف-، فعندما نكتب مثلًا مقالة عنوانها " اللغة المخادعة.. ووحشية أهلها"، فإننا انما نُحدد قارئنا في هذه الدائرة، دائرة القلق على اللغة، خشية اساءة استعمالنا لها، وعليه يفترض في هذا القارئ الا يشطح في افكاره بعيدًا عما طرحناه، وان يسهب في طرح افكار واراء حول الخصوصية الشخصية في الكتابة او حول اللغة الابداعية مراميها واهدافها ومظاهر تجليها، فنحن لم نناقش هذا كله، وانما تمحورنا في نقطة واحدة وحيدة قُمنا بتحديدها في العنوان ذاته. في هذا السياق اشير إلى ان العديد من الكتاب والمفكرين شكوا كثيرًا من عدم فهم من قاموا بمناقشتهم في هذا الموضوع او ذاك، واذكر من هؤلاء الكاتب الفيلسوف جان بول سارتر فقد شكا بحرقة لاهبة من أن آخرين ممن قاموا بمناقشته ومناكفته لم يفهموا ما قاله لهذا اوغلوا في استطنابات لا ضرورة لها ولا موجب.
مُجمل القول، ان القارئ اكتسب اهمية خاصة في عصرنا الحديث، واولته الدراسات والابحاث العديدة لدى اعلامها اهمية خاصة كونه الطرف الآخر في معادلة الكتابة، وانه من حق هذا القارئ ان يطالع ما يود مطالعته باي طريقة مناسبة له، لكن عندما يدخل في مناقشة ما يقرأه ويناقشه، مساجلةً او تعقيبًا، من واجبه ان يكون جادًا فيتمحور في الموضوع المطروح ضمن قراءة جادة، سعة اطلع وفهم متمعق يضعه في صورة ما يقرأه لا في صورة ما سبق وقراه لآخرين وفي مواضيع ابعد ما تكون عن المطروحة للمناقشة.. مع اهميتها.