لماذا يخاف النظام الدولي من فكرة الأمة الواحدة؟ فكر الإخوان المسلمين كنموذج
أبدأ من حيث انتهى به أحمد موفق زيدان، مستشار الرئيس السوري أحمد الشرع للشؤون الإعلامية، في مقالته التي حملت عنوان "متى ستحل جماعة الإخوان المسلمين في سوريا نفسها؟" والمنشورة على موقع "الجزيرة نت" قبل أيام. في تلك المقالة استعرض زيدان مسيرته الفكرية والسياسية، متحدثًا عن انتمائه السابق إلى الجماعة ونضاله ضد نظام آل الأسد، قبل أن يصل إلى دعوة صريحة لحلها وطي صفحتها. وينهي زيدان مقاله بالقول: "أما رفع الشعارات الكبيرة، لتدفع ثمنها وديتها بشكل يفوق القدرات والإمكانات وحتى المستطاعات، فهذا ليس من المنطق في شيء، وهو تمامًا ما يفعله الإخوان، إذ يعاملهم العالم كله وكأنهم أخطبوط وإمبراطورية عالمية، وخلافة إسلامية على امتداد القارات الست، بينما حقيقتهم وواقعهم يُرثى له، فالمساكين متمسكون بقصور خيالية وهمية سرابية".
ليس الغرض هنا الدخول في نقاش تفصيلي مع زيدان، فليس هذا مقامه، وإنما الاكتفاء بالتعريف به. فهو شخصية بارزة في الأوساط الإعلامية والسياسية، عمل مراسلًا لقناة "الجزيرة" واشتهر بنشاطه المعارض للنظام السوري السابق، كما ارتبط اسمه طويلًا بجماعة الإخوان المسلمين، وتحديدًا جناح عصام العطار، الداعية والمفكر والسياسي السوري البارز. وربما كان من بين دوافعه لكتابة المقال إبعاد "شبهة الانتماء للإخوان" عن نفسه في موقعه الحالي كمستشار للرئيس السوري أحمد الشرع. غير أن ما يستوقف حقًا هو الخلاصة التي وصل إليها في نهاية مقاله، حين أشار إلى خوف العالم من فكر الإخوان المسلمين القائم على مفهوم الأمة الواحدة، معتبرًا أن هذا الفكر هو ما يجعلهم يُعاملون كما لو كانوا "أخطبوطًا عالميًا" أو "إمبراطورية تمتد على القارات الست".
أحمد الشرع نفسه أدلى في الآونة الأخيرة بتصريحات أكد فيها أنه ليس امتدادًا للتنظيمات الجهادية أو للإخوان المسلمين أو للربيع العربي، في محاولة واضحة لطمأنة النظام الدولي الذي يتوجس من أي خطاب يتجاوز حدود الدولة القُطرية، ويرى في كل مشروع أممي أو أممي-إسلامي منافسًا مزعجًا للنظام القائم. وقد حرص الشرع في خطابه العلني على رفع شعار "سوريا أولًا" والتأكيد على أولوية الدولة الوطنية، نافياً أي صلة بفكرة الأمة الواحدة أو بمشروع الإخوان، وكأنه يوجه رسالة مباشرة للخارج مفادها: لسنا جزءًا من هذا الامتداد، بل نحن دولة وطنية بحتة. ولا يُعرف على وجه الدقة إن كانت هذه التصريحات مرتبطة بما تردد في الأسابيع الأخيرة من أنباء عن رغبة الولايات المتحدة في تصنيف جماعة الإخوان المسلمين كمنظمة إرهابية، أم أنها جاءت في سياق محلي مختلف، لكنها تبقى في الجوهر جزءًا من خطاب التطمين الموجه للنظام الدولي.
لكن ما يثير الانتباه فعلًا هو ما ذكره زيدان في خاتمة مقالته عن خوف العالم من الإخوان المسلمين وفكرهم المبني على الأمة الواحدة. فهو يصف كيف يُعاملهم العالم وكأنهم "أخطبوط وإمبراطورية عالمية وخلافة إسلامية على امتداد القارات الست". هذه العبارة تفتح الباب أمام سؤال أعمق: ما الذي يجعل فكرة الأمة الواحدة مصدر قلق دائم للقوى الإقليمية والدولية، حتى مع ضعف الجماعة وتراجعها في الواقع السياسي؟
الحقيقة أن محاربة الإخوان لم تكن يومًا مجرد شأن داخلي مرتبط بصراعهم مع نظام هنا أو هناك، بل هي انعكاس لتناقض أوسع مع النظام الدولي نفسه. فخطاب الأمة الواحدة، الذي يتجاوز حدود الدولة القُطرية ويطرح بديلًا أمميًا عابرًا للخرائط الاستعمارية، يتناقض مع المنطق الذي يقوم عليه النظام الدولي الحديث القائم على الدولة الوطنية كمرجعية للشرعية والسيادة. إن هذا الخطاب لا يهدد الأنظمة المحلية فحسب، بل يمس أسس النظام العالمي، لأنه يزرع ولاءات بديلة تتجاوز الحدود ويضعف قدرة الدولة على احتكار الشرعية السياسية.
إن فكر الأمة الواحدة ظل حاضرًا في الوعي الجمعي الإسلامي منذ سقوط الخلافة العثمانية، لكنه مع جماعة الإخوان المسلمين اكتسب بعدًا تنظيميًا وفكريًا ممنهجًا، جعل منه مشروعًا عابرًا للحدود لا يقف عند الإطار المحلي أو القطري. فالجماعة لم تُطرح نفسها مجرد فاعل سياسي داخل الدولة المصرية أو العربية، بل امتدت إلى مجتمعات متعددة، وأقامت شبكات دعوية واجتماعية وتعليمية أسهمت في ترسيخ خطاب يتجاوز التجزئة. وهذا ما جعلها محل قلق دائم في عيون القوى الإقليمية والدولية؛ لأنها تقدم بديلًا موازيًا، حتى وإن كان رمزيًا أو نظريًا، للنظام الدولي الذي يُكرس الدولة القُطرية كوحدة مرجعية وحيدة.
السبب الأعمق وراء هذا الخوف أن أي خطوة نحو توحيد الأمة الإسلامية، ولو اقتصاديًا أو سياسيًا على مستوى جزئي، كفيلة بإعادة رسم موازين القوى العالمية. فمجرد تنسيق اقتصادي بين الدول الإسلامية قد يخلق كتلة مؤثرة قادرة على كسر الاحتكار الغربي للثروات والأسواق، أما تنسيق سياسي أو أمني فيمكن أن يضعف قبضة القوى الكبرى على المنطقة ويعيد توزيع النفوذ. ولذلك يُقرأ خطاب الأمة الواحدة كتهديد استراتيجي، ليس لأنه قريب التحقق بالضرورة، بل لأنه يحمل إمكانية كامنة لتغيير قواعد اللعبة العالمية.
من هنا يتضح أن جوهر الصراع بين الإخوان المسلمين والنظام الدولي يتجاوز السياسة اليومية والتنظيمية ليصل إلى صراع على المستقبل. إنه صراع بين نموذج الدولة القُطرية بوصفها حجر الأساس للنظام العالمي، وبين مشروع الأمة الواحدة الذي يطرح تصورًا لوحدة إسلامية عابرة للحدود. هذا المشروع، حتى وإن بدا بعيد المنال، يبقى حاضرًا في مخيلة صانعي القرار باعتباره تهديدًا وجوديًا. ومن هنا فإن محاربة الجماعة لا تتعلق بوزنها السياسي الراهن، حتى وإن كانت كما وصفها زيدان في مقاله "حقيقتها وواقعها يُرثى له"، بل تتعلق بالرمزية الفكرية التي تحملها؛ رمزية تقول إن العالم القائم ليس قدرًا محتومًا، وإن الأمة يمكن أن تنهض لتعيد صياغة وجودها وتفرض حضورها في معادلات القوة الدولية.
إن القوى الكبرى تدرك أن الأفكار العظمى لا تُقاس بمدى تحققها الفوري، بل بقدرتها على البقاء حيّة في الوجدان الجمعي واستدعائها في لحظات التحول التاريخي. وفكرة الأمة الواحدة، مهما بدا تطبيقها بعيدًا أو مثاليًا، تبقى كامنة كاحتمال سياسي وحضاري قادر على زعزعة ركائز النظام الدولي حين تتوفر الظروف المناسبة. وهذا وحده كافٍ لتبرير الحرب المستمرة ضدها وضد من يتبناها، وفي مقدمتهم جماعة الإخوان المسلمين.