مفهوم الوعي السياسي: من الفقه الإسلامي إلى واقع الأقليات
الوعي السياسي ليس مجرد معرفة أسماء الأحزاب أو الشخصيات، ولا مجرد متابعة الأحداث اليومية، بل هو إدراك متوازن للمصالح العامة، والحقوق، والواجبات، وفق إطار شرعي وأخلاقي. في السياق الإسلامي، يُنظر إلى السياسة كأداة لتحقيق العدل، وحماية المجتمع، وتحقيق المصلحة العامة، وليس كوسيلة للسلطة أو الطموح الشخصي.
بالنسبة للأقلية العربية في الداخل الفلسطيني، يكتسب الوعي السياسي بعدًا خاصًا؛ إذ يتفاعل مع الضغط البُنيوي، والحدود القانونية والسياسية، والتحديات الاجتماعية والثقافية، ما يجعل فهم السياسة وإدراك آلياتها ضرورة للبقاء والاستقرار المجتمعي.
الفقه الإسلامي والوعي السياسي...
الفقه السياسي الإسلامي يؤكد على عدة ركائز أساسية للوعي السياسي:
أ- العدالة والإنصاف: السياسة وسيلة لتحقيق العدل، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُم أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾. (النساء: 58)
ب- المصلحة العامة: أي قرار سياسي يجب أن يحقق مصالح الناس ويقيهم الضرر.
ج- المسؤولية الفردية والجماعية: لا يقتصر الواجب على القادة، بل يمتد إلى كل فرد قادر على التأثير في مجتمعه.
بالتالي، الوعي السياسي في الإسلام هو وعي أخلاقي فقهِي قبل أن يكون معرفيًا، وهو ضابط لمواجهة الفوضى والهرتقة التي قد تنتج عن الادّعاء أو الجهل.
واقع الأقليات في الداخل الفلسطيني...
الأقلية العربية في الداخل تواجه تحديات مزدوجة:
أ- خارجيًا: الضغط القانوني والسياسي، محدودية التمثيل، وصعوبة التأثير المباشر على السياسات العامة.
ب- داخليًا: الانقسامات المجتمعية، اختلاف الأولويات، وتأثير الإعلام ووسائل التواصل على تصورات الأفراد.
هذا الواقع يفرض على أفراد الأقلية وعيًا سياسيًا متوازنًا، قادرًا على:
-1 تمييز المصالح الحقيقية عن الإشاعات والخطاب العاطفي.
2 - المشاركة في الفعل السياسي دون الانزلاق إلى الادّعاء الخاطئ أو الفوضى.
3 - حماية الاستقرار المجتمعي حتى في ظل محدودية الإمكانيات.
الوعي السياسي بين النظرية والتطبيق...
بينما يؤكد الفقه الإسلامي على المقصد والعدل والمصلحة العامة، فإن الواقع يفرض تحديات عملية منها:
أ- انتشار المعلومات المغلوطة أو الهرطكة السياسية.
الانجراف وراء توهّم الخبرة السياسية.
ب- الصدام بين الحرص على الحقوق وبين الحفاظ على التماسك المجتمعي.
الواجب على الفرد المثقف والمجتمع أن يبنوا وعيًا سياسيًا مرِنًا، متجذرًا في الفقه والأخلاق، قادرًا على التعامل مع الضغوط، وحماية الحقوق، والمساهمة في استقرار المجتمع.
لا شك أن فهم السياسة بوعي حقيقي، وتمييز الحقيقة من الادّعاء والفوضى، هو ما يحمي مجتمع الأقلية ويقوي روابطه الاجتماعية.
التربية السياسية كأساس للوعي السليم...
الوعي السياسي لا يُكتسب صدفة، بل هو نتاج تربية مستمرة وممنهجة. على المدارس والمجتمعات والمؤسسات الثقافية دور محوري في تنمية فهم الشباب للسياسة وفق منظور إسلامي: معرفة الحقوق والواجبات، فهم القوانين والحدود، وتحليل الأحداث بمنطق متزن. التربية السياسية الجيّدة تمنح الفرد القدرة على المشاركة الواعية والحفاظ على تماسك المجتمع، حتى في ظل الضغوط والقيود المحيطة.
دور الفرد المثقف في تصحيح المسار...
كل فرد واعٍ ومثقف في المجتمع العربي للأقليات يحمل مسؤولية مزدوجة: حماية المجتمع من الفوضى، والمساهمة في بناء خطاب سياسي متزن. الفرد المثقف يصبح بذلك جزءًا من جسر بين النظرية الفقهية والتطبيق الواقعي، قادرًا على نشر ثقافة الوعي السياسي، ومواجهة الادّعاءات والخطاب العشوائي، والعمل على تعزيز الاستقرار المجتمعي رغم الضغوط الخارجية.
خاتمة.......
الوعي السياسي في مجتمع الأقلية هو جسر بين الفقه الإسلامي والواقع المعاصر. وهو ليس رفاهية معرفية، بل ضرورة وجودية للحفاظ على الحقوق والمصلحة العامة والاستقرار المجتمعي.
فهم السياسة بوعي شرعي وأخلاقي، وتمييز الحقيقة من الفوضى والادّعاء، هو الخطوة الأولى نحو مجتمع أقل تأثّرًا بالفوضى وأكثر قدرة على مواجهة التحديات المعاصرة...
بقلم الدكتور محمد بدران – مدير عام دار الإفتاء والبحوث الإسلامية/الداخل الفلسطيني