سأتزوج وطنًا
سأتزوج وطنًا
قصة قصيرة
بقلم: رانية مرجية
لم تكن تأتي إلى المقبرة لأنها لا تعرف أين تذهب، بل لأنها هنا فقط لا تُسأل: لماذا؟
كان صباح السبت قد صار موعدًا ثابتًا منذ غيابه، منذ ذلك اليوم الذي لم يُسمَّ موتًا، بل زُفَّ فيه عريسًا لعيون فلسطين. وقفت أمام الضريح كما تقف أمام فكرة لم تكتمل، لا تبكي، ولا تتظاهر بالقوة. كانت تكتفي بأن تكون.
جلست على الرخام البارد، أخرجت كتابًا من حقيبتها، وبدأت القراءة بصوتٍ منخفض. توقفت عند بعض الجمل، أعادت قراءتها، ثم سكتت، كأنها تنتظر ردًا. لم يكن الصمت هنا فراغًا، بل نوعًا آخر من الحوار، أقل قسوة من حوارات الأحياء.
أخرجت المسبحة.
حبات صغيرة من بذور الزيتون، داكنة، مصقولة بكثرة اللمس. هدية قديمة، لكنها الوحيدة التي لم تتحول إلى ذكرى. حين مررت أصابعها عليها، شعرت بذلك الإحساس المألوف: شيء يشبه الطمأنينة، لكنه لا يخلو من وجع. لم تكن تواسيها، بل تذكّرها بأن الصبر ليس قبولًا، وأن الثبات لا يعني التكلس.
فكرت أن هذه الزيارة قد تكون الأخيرة.
بعد أيام ستغادر إلى لندن. لم يكن القرار سهلًا، ولا رومانسيًا كما قد يبدو من الخارج. كان نتيجة تراكم طويل من الانكسارات الصغيرة، من الإشارات التي تقول لك بهدوء: لم يعد هذا المكان يتسع لك.
في بيتها، لم تعد تُرى.
كانوا يتحدثون عنها كما لو كانت احتمالًا مقلقًا. كل ما يميزها صار عبئًا: أسئلتها، صراحتها، رفضها للتماهي. كانوا يشككون في اتزانها، لا لأنها مختلة، بل لأنها لم تشبههم بما يكفي. في قاموسهم، الاختلاف خلل، والاستقلالية تهديد.
لم تستقر في وظيفة، رغم ما تحمله من شهادات وتجربة. قيل لها أكثر من مرة إنها «صعبة»، لأنها لا تجيد الانحناء، ولا تعرف كيف تُخفي رأيها عند الضرورة. لم يفهموا أن الضرورة، في كثير من الأحيان، هي اسم آخر للتنازل.
ثم جاء الرجل.
العريس الذي لم تختَره، والذي قُدِّم لها بوصفه حلًا. كان يتحدث عن المال كما لو كان لغة كونية، وعن المكانة كما لو كانت إذنًا بالسيطرة. لم يسألها عمّا تريد، لم يحتج لذلك. كان مقتنعًا أن الإصرار يكفي، وأن الزمن كفيل بتطويع أي امرأة تُترك طويلًا تحت الضغط.
قالت له بهدوء:
إنها لا ترغب بالزواج.
قالت ذلك مرة، ثم أخرى.
كان يسمع الكلمات، لكنه لا يعترف بمعناها.
في المطبخ، سمعت صوت أمها، خافتًا لكنه حاسم:
«لا تقلقي… ستوافق. الإلحاح يكسر كل شيء. الصبر مفتاح الفرج».
تساءلت، يومها، متى صار الكسر شرطًا للخلاص.
أغلقت الكتاب.
نهضت ببطء، نظرت إلى الاسم المحفور على الحجر، ولم تقل وداعًا. لم تؤمن يومًا بالنهايات الحاسمة. وضعت المسبحة في جيبها، وشدت معطفها.
كانت تعرف أنها لا تهرب.
كانت تنجو.
في طريقها إلى الخارج، شعرت بشيء يشبه السلام. سلام من يدرك أن الحياة لا تُعاش بالنيابة، وأن الحب، مثل الوطن، لا يُفرض، ولا يُشترى، ولا يُمنح مقابل الصمت.
قالت، بصوتٍ لا يسمعه أحد:
لي حياتي. لي اسمي. لي حقي في أن أكون.
ومضت.
وهي تعرف، بوضوح لا لبس فيه، أنها إن تزوجت يومًا، فلن يكون ذلك إلا من رجلٍ واحد…
رجل اسمه وطن.