قرارات الكابنيت حول الضفة الغربية منها للتطبيق ومنها للاحتياجات الانتخابية
أمير مخول – مركز تقدّم للسياسات
يستند قرار الكابنيت الاسرئيلي 822026 الى الاتفاق الائتلافي بين حزبي الليكود بقيادة نتنياهو، والصهيونية الدينية بقيادة سموتريتش والذي جرى إبرامه 28 ديسمبر 2022، وبات بمنزلة قانون مع إعلان حكومة نتنياهو الحالية. كما يستند الى عدد من قرارات حكومية سابقة والى سلسلة من القوانين التي تم سنّها بروح الاتفاق الائتلافي المذكور.
تحت باب "الاستيطان: يهودا والسامرة، النقب والجليل" يؤكد البند 118 من الاتفاق الائتلافي المذكور على "الحق الطبيعي للشعب اليهودي في، يهودا والسامرة وانطلاقا من القناعة بهذا الحق ..يقوم رئيس الحكومة باختيار اللحظة المؤاتية لفرض السيادة الإسرائيلية.."، وينص البند 126 على ان الحكومة ستعمل "من اجل بقاء وأمن وترسيخ المستوطنة في الخليل"، فيما يشير البند 127 الى "ممتلكات العدو" ..بحيث ستصدر الحكومة تعليمات الى القائد العسكري بتوقيع أمر لتغيير التشريعات الأمنية، وبموجبها سيعيد الى إصحابها [اليهود] الأراضي التي استروها قبل العام 1948 والتي يحتفظ بها الحاكم العسكري باعتبارها "ممتلكات عدو"".
وإذ يصدر القرار عشية زيارة نتنياهو الى واشنطن، فإنه يرى بأن التوقيت كما ضبابية النص يتيحان له سهولة نسبية لتسويق قرار الكابنيت امام إدارة ترامب، وسعيا الى توصيف القرار بأنه لا يوجد تغيير جوهري في السياسة المعمول بها أصلا، لكن القرار لغرض ضمان صمت أقصى اليمين على اذعان إسرائيل للمخطط الأمريكي لوقف الحرب على غزة والدخول في المرحلة الثانية منها. كما وهنالك تقديرات بأنه قد يشكل "تظاهرة" من قبل نتنياهو يلوح فيها بإمكانيات ينسبها الى نفسه للعصيان على الموقف الأمريكي في حال عزوف ترامب عن مهاجمة ايران. جوهريا فإن القرارات المذكورة تتماشى مع خطة نتنياهو الاعتراضية الأهم وهي منع قيام دولة فلسطينية وتدمير مقوماتها.
يواجه نتنياهو وحكومته الموقف الفلسطيني والعربي والإقليمي والإسلامي ودوليا، بما فيه المساعي الحثيثة التي بدأت من اجتماع الرئيس الفلسطيني محمود عباس وملك الأردن عبدالله بن الحسين وبيان الدول الثماني لعقد قمة عربية وقمة إسلامية واجتماع عاجل لمجلس الامن وهو ما يخشاه نتنياهو حتى ولو تظاهر اما جمهور ناحبيه خلاف ذلك. وهي تحركات في حال كانت سريعة ومكثفة قد تعيق تطبيق القرار او تؤدي الى إرجاء ذلك. مثل هذا التحرك كان مجديا في الضغط على إدارة ترامب لحزم موقفها بوقف التشريع قبل عدة اشهر لقانون فرض السيادة على الضفة الغربية. كما يتبوأ التوتر الدبلوماسي بين الامارات وإسرائيل الاعلام الإسرائيلي ومراكز الأبحاث، مع اللوم لنتنياهو بكونه "يعرّض الاتفاقات الابراهامية للخطر الحقيقي"، بينما قرار الكابنيت المعني به يشكل تصعيدا في هذا الاتجاه.
تفيد حركة سلام الان في تقريرها بصدد قرار الكابنيت الى الترجمة التطبيقية للجوانب الأكثر خطورة في القرار الذي لم يتم الكشف عن خبايا البحث فيه نظرا لكونه قرار المجلس الوزاري المصغر والذي تعتبر جلساته سرية بخلاف الحكومة الموسعة، ويشمل البيان الرسمي الصادر عنه فقط ما يعني الكابنيت نشره. وفقا لحركة السلام الان والتي تراقب على مدار عقود من الزمن مجمل المشروع الاستيطاني وملفات الأراضي والسكان، الى ان معظم القرارات سارية أصلا ويتم تطبيقها على ارض الواقع. فيما الجديد في مضاعفة مخاطر القرار هو كل ما يتعلق بمسألة ملكية الأراضي والعقارات في الضفة الغربية بإلغاء القانون الأردني الساري من قبل 1967 وقوانين السلطة والتي تقضي بأنه يحق فقط لسكان الضفة الغربية او لشركات مسجلة فيها شراء الأراضي، ورسميا يتيح للمستوطنين شراء الأراضي كأفراد، كما يعفيهم قانونيا من إلزامية الحصول على تصريح صفقة قيل تنفيذ اية عملية شرائية بما معناه فتح المجال لتزوير الملكية بعد إلغاء إلزامية الفحص الشامل للوثائق ولمكانة الأرض للـاكد من عدم وجود شبهة تزوير.
فيما يعدّ فتح سجلّ ملكية الأراضي في الضفة الغربية هو الجانب الأكثر خطورة، فلغاية الحاضر يعدّ سجلّ ملكية الأراضي في الضفة الغربية من قبل ضابط أملاك الحكومة الإسرائيلية سريّاً، وتعود أسباب السرية الى منع الاحتيال والتزوير في صفقات العقارات ومسؤولية حماية حياة الفلسطينيين الذين باعوا أراضٍ للمستوطنين. كما يتيح قرار الكابنيت شراء الدولة مباشرةً للأراضي الفلسطينية وهو أمر معمول به منذ عشرات السنين من خلال شركة تدعى "هيمنوتا" والتابعة للصندوق القومي اليهودي، فيما يتيح القرار للدولة بشراء الأراضي مباشرة. مع التنويه ان هذه القرارات والتي هي بمثابة تشريعات لا تتم من خلال الكنيست بل من خلال الحكم العسكري وبقرار اداري من وزير الامن او حاكم المنطقة العسكري.
الترجمة الفعلية التنفيذية لهذه القرارات هو ان التنفيذ بعد إقرارها سيخضع بشكل كامل الى الوزيرين المسؤولين من حزب الصهيونية الدينية وهما سموتريتش بصفته وزير المالية والوزير في وزارة الأمن، والوزير اوريت ستروك وزيرة الشؤون القومية والمسؤولة عن تهويد الضفة والنقب والجليل. كما سيتمتع مجلس المستوطنات بقوة تنفيذية وتحريكية جوهرية بروح القرارات.
تتهم حركة سلام الان نتنياهو بأن مسعاه عمليا هو تقويض السلطة الفلسطينية وإلغاء الاتفاقات التي وقعت عليها إسرائيل بما فيها اتفاقية الخليل 1997 التي وقعها نتنياهو بنفسه. كما تتهمه بفرض الضم بحكم الأمر الواقع، وتعميقه في مناطق (ج) بل بدأت تتسع الى مناطق (أ) الخاضعة امنيا واداريا للسلطة الفلسطينية ومناطق (ب) الخاضعة إدارية للسلطة الفلسطينية وأمنيا لإسرائيل. والسيطرة على ما تبقى من مناطق أثرية تكثر في انحاء الضفة وحصريا في داخل حدود التجمعات السكانية الفلسطينية من مدن وقرى، وادعاء ملكيتها. وتحت مسمى "حماية البيئة" و"الحفاظ على مصادر المياه" ستقوم سلطات الاحتلال بإصدار المخالفات لجعل حياة الفلسطينيين غير محتملة.
العمل إداريا داخل مناطق (أ) بما فيه هدم البيوت وإخراج مواقع أثرية وتاريخية من سلطة السلطة الفلسطينية الى الهيئات الاستيطانية ويشمل إمكانية إقامة بؤر استيطانية داخل المدن الفلسطينية كما يحصل في القدس الشرقية المحتلة، حيث سيتم تغيير الإجراءات في الحرم الابراهيمي في الخليل لصالح المستوطنين، وإقامة مديرية خاصة بقتر راحيل في بيت لحم واحتمالية إقامة كنيس يهودي فعال هناك.
في الخلاصة، فوراء اتخاذ قرارات الكابنيت وتوقيتها يوم 822026 تكمن عقيدة نتنياهو وكذلك نحو تقويض اية بنية كيانية للشعب الفلسطيني ولمنع دولة فلسطينية. فيما سياسيا لضمان إقرار ميزانية الدولة وتثبيت تماسك كتلة حلفائه وبقاء الحكومة حتى نهاية دورتها في نوفمبر 2026، وقد يرجيء الانتخابات بذرائع أمنيّة. في حال نجح في مسعاه تبدو احتمالات اعلان الضم كبيرة.
ترجمة التنظيمات الإرهابية الاستيطانية لقرار الكابنيت ستكون باعتباره ضوءا أخضر بامتياز لاستباحة كل الوجود الفلسطيني في الضفة والسيطرة على الأراضي وتهويد المكان بما فيه تجاه المدن الفلسطينية الكبرى في مسعى منها وبدعم حكومي لتطبيق ما أمكن من "خطة الحسم" الصهيونية دينية. وهو ما قد يرتد سياسيا على إسرائيل ونحو الدفع دوليا لقيام دولة فلسطين.
تجاوب نتنياهو مع الصهيونية الدينية لا يعني أنه لصالح الوزير سموتريتش بل لصالح التيار وقد يقود الى استبدال سموتريتش الذي بات عبئا انتخابيا على تياره وعلى احتمالات بقاء ائتلاف نتنياهو بعد الانتخابات.
من غير المناسب التعامل إعلاميا وكأن قرارات الكابنيت الإسرائيلي هي بمثابة قضاء وقدر، بل قابلة للتصدي والمواجهة فلسطينيا وعربيا واسلاميا ودوليا، فيما المتغير صاحب الأثر الكبير في المنطقة هو الدور العربي والإقليمي المتزايد وزناً في التأثير على إدارة ترامب لحزم موقفها ضد قرارات الكابنيت كما حصل مع إيقاف تشريع قانون بسط السيادة في حينه، فيما يشكل قرار الكابنيت مسعى واضحا للالتفاف على وقف التشريع بضغط امريكي، فيما حاليا لا يزال العنوان للضغط العربي والإقليمي هو واشنطن التي لها حلفاء لا تريد ان تخسر التعاون معهم في المنطقة.
قرارات الدول الثماني بالتأكيد على رفض شرعية الاحتلال وكل اجراءاته يستند الى القرارات الأممية والقانون الدولي وفتوى محكمة العدل الدولية بصدد نفي شرعية الاحتلال المستدام. فيما تقاس أهمية القرار الجماعي بمدى الإسراع في تحويله الى تحرك سريع ومكثف للتأثير على الموقف الأمريكي كي يردع حكومة نتنياهو.