تحميل...

التربية الصالحة تبطل تأثير البيئة السلبية على سلوكيات الأبناء

صالح نجيدات
نُشر: 16:19

تثبت التجارب الحياتية والواقعية أن البيئة المحيطة بالإنسان لها تأثير كبير على سلوكياته وأفكاره، إلا أن هذا التأثير ليس حتمياً أو مطلقاً، فالتربية الصالحة داخل الأسرة تستطيع أن تشكل درعاً واقياً يحمي الأبناء من الانحراف حتى لو عاشوا في بيئة سلبية مليئة بالمغريات والمشاكل الاجتماعية. فكثيراً ما نرى أبناء بعض العائلات يعيشون في أحياء أو ظروف صعبة، ومع ذلك يحافظون على سلوكيات سوية وقيم أخلاقية راسخة، ويعود ذلك في الأساس إلى التربية الصحيحة التي تلقوها داخل أسرهم.

إن التربية الصالحة التي يقوم بها الوالدان دون تناقض في السلوك أو الأقوال، تلعب الدور الأكبر في بناء شخصية الأبناء. فصحبة الأبناء والتقرب منهم والاستماع إليهم وغرس القيم الاجتماعية والأخلاقية الصحيحة في نفوسهم، يزرع فيهم الثقة والوعي والقدرة على التمييز بين الصواب والخطأ. كما أن التوجيه والإرشاد بأسلوب لين يحترم شخصية الأبناء ويتماشى مع أعمارهم ومستوى تفكيرهم، يساعدهم على تقبل النصيحة وبناء شخصية متوازنة نفسياً واجتماعياً.

ومن أهم أسس التربية الناجحة أن يكون الوالدان قدوة حسنة لأبنائهم في السلوك اليومي، فالأبناء يتعلمون من أفعال والديهم أكثر مما يتعلمون من أقوالهم. فعندما يرى الأبناء الصدق، والاحترام، وضبط النفس، والتعامل الإنساني الراقي داخل الأسرة، فإنهم يكتسبون هذه الصفات تلقائياً. ولهذا يمكن القول إن التربية الصالحة تشكل الحصن المنيع أمام كل التأثيرات السلبية التي قد يتعرض لها الأبناء خارج المنزل.

وفي المقابل، فإن إهمال تربية الأبناء يؤدي غالباً إلى نتائج سلبية خطيرة، خاصة في هذا العصر الذي كثرت فيه المؤثرات الخارجية ووسائل التواصل الاجتماعي التي قد تنقل قيماً وسلوكيات غير مناسبة. كما أن استخدام أساليب تربوية خاطئة مثل العنف أو الإهانة أو الضرب المستمر على كل صغيرة وكبيرة، يزعزع ثقة الأبناء بأنفسهم ويؤثر على توازنهم النفسي ويضعف قدرتهم على التفكير السليم. وكذلك فإن الدلال الزائد دون وضع حدود واضحة أو توجيه سليم قد يفسد أخلاق الأبناء ويجعلهم غير قادرين على تحمل المسؤولية، بل قد يؤدي إلى مشاكل نفسية وضعف في التحصيل الدراسي، ويخلق شخصيات ناقمة أو عنيفة في المستقبل.

وإذا أردنا النهوض بمجتمعنا ومعالجة مشاكله المتزايدة مثل العنف والجريمة وانتشار المخدرات بين الشباب والفوضى الاجتماعية، فإن البداية الحقيقية تكون من خلال الاهتمام بالتربية والتعليم. فالمؤسسات التعليمية يجب أن تركز ليس فقط على المعرفة الأكاديمية، بل أيضاً على التربية الأخلاقية وبناء شخصية الطالب. كما ينبغي تطوير أساليب التعليم والتخلي عن أسلوب التلقين والحفظ دون فهم، واستبداله بمناهج تشجع التفكير والتحليل والإبداع، وتضع الطالب في مركز العملية التعليمية.

ومن الضروري أيضاً التركيز على غرس القيم الأخلاقية المستمدة من موروثنا الحضاري والإنساني، والتي تقوم على احترام الآخر، واحترام القانون، واحترام قدسية الحياة، ونبذ العنف والتعصب والعصبية. ويجب أن تبدأ عملية غرس هذه القيم منذ الصغر داخل الأسرة والمدرسة، خاصة في المراحل الابتدائية، لأن هذه المرحلة تشكل الأساس في بناء شخصية الإنسان.

إن إصلاح المجتمع يبدأ من إصلاح أفراده، وإذا نجحنا في تربية جيل واعٍ أخلاقياً وفكرياً، فإن ذلك سينعكس إيجابياً على سلوك الأفراد داخل أسرهم ومجتمعهم، وسيكونون قادرين على المساهمة في بناء مجتمع أكثر استقراراً وتقدماً. فحيثما توجد تربية صالحة، توجد بذور الخير والإصلاح، ومنها ينطلق مستقبل أفضل للمجتمع بأكمله.

...