رمضان: المُعلّم...
رمضان: المُعلّم...........
بقلم الشيخ الدكتور محمد بدران – مدير عام دار الإفتاء والبحوث الإسلامية/الداخل الفلسطيني
لا يأتي الصيام في رمضان ليكون امتناعًا عن الطعام والشراب فحسب، بل كأنه دعوة خفيّة للتوقف. توقف عن العادة، عن الاندفاع، عن الامتلاء الدائم الذي اعتدناه في كل شيء. في لحظة الجوع الأولى، لا نشعر فقط بفراغ المعدة، بل بفراغ أعمق: فراغ الأسئلة المؤجلة، والمشاعر التي كنا نغطيها بالانشغال.
الصيام يعرّينا بهدوء....
الصيام: حين يقلّ الجسد ويستيقظ القلب........ حين يخفّ ثِقل الجسد، يبدأ شيء آخر بالظهور...... نكتشف أن كثيرًا مما ظننّاه حاجة، لم يكن إلا اعتيادًا.... الجوع لا يعلّمنا الصبر فقط، بل يعلّمنا التمييز: ما الذي نحتاجه فعلًا؟ ... وما الذي اعتدنا عليه دون وعي؟ في هذا التمييز، تبدأ لحظة التأمل........
رمضان ومساحة الصمت........
في الصيام، هناك صمت لا يُفرض، بل يُولد....... صمت بين وجبة وأخرى، بين كلمة كدنا نقولها وأمسكناها، بين رد فعل كان سريعًا فأصبح أهدأ........ هذا الصمت ليس فراغًا، بل مساحة، مساحة نسمع فيها أنفسنا، ونراجع نياتنا، ونلاحظ كم كنا نعيش على "الطيار الآلي"؛ - الحياة التي نعيشها بشكل آلي، بدون وعي أو تأمل....
الصيام كمرآة........
رمضان لا يغيّرنا فجأة، لكنه يضعنا أمام مرآة صافية....... نرى: صبرنا الحقيقي
علاقتنا بالغضب......... قُربنا أو بُعدنا عن المعنى........ الصيام لا يصنع هذه الصفات، بل يكشفها........... وهنا تكمن حكمته........
لحظة الإفطار… ليست نهاية الصيام.......
حين نُفطر، لا تنتهي تجربة الصيام، بل تبدأ أسئلتها.
- هل خرجنا أخفّ؟
- أهدأ؟
- أقرب لأنفسنا ولغيرنا؟
رمضان لا يريد منا الكمال
بل الصدق مع الذات..............
في صحبة رمضان...........
رمضان ليس شهر الإنجاز السريع!
- بل شهر العودة...........
- عودة للنفس........
- عودة للبساطة..........
- للنفس، وللإنسان الحقيقي الذي يظهر حين نقلّ.......
وفي الصيام نتعلّم أن النقص أحيانًا هو الطريق الوحيد للاكتمال...........
في نهاية يوم الصيام، حين يهدأ الجسد ويستقرّ القلب، ندرك أن رمضان لم يكن اختبارًا للجوع، بل مساحة للانتباه............
انتباه لما أهملناه في زحمة الأيام، ولما غطّيناه بالامتلاء والضجيج...........
الصيام لا يطلب منا أن نكون أفضل دفعة واحدة، بل أن نكون أصدق قليلًا مع أنفسنا، وأكثر وعيًا بما نملكه، وبما نفتقده، وبما نستطيع أن نتركه خلفنا.........
في كل يوم من رمضان، تُمنح لنا فرصة صغيرة:
- أن نخفّ.
- أن نصمت.
- أن نرى بوضوح.
وحين ينقضي الشهر، يبقى السؤال مفتوحًا بهدوء:
هل سنحمل معنا هذا الضوء الخفيف…
أم نتركه عند آخر إفطار؟
رمضان لا يجيب عن السؤال، لكنه يعلّمنا كيف نصغي إليه......