في البدء كان السؤال
الأسئلة مبصرة والأجوبة عمياء/ أرسطو
كان الفيلسوف الاغريقي العريق سقراط، كما يصفه تلميذه النجيب، السائر في أثره وعلى خطاه، أفلاطون في جمهوريته المثلى تحديدا، اقول كان سقراط يصل إلى الحقيقة عبر طرح السؤال تلو السؤال، على محدثه، وذلك ضمن محاولة واعية لوضعه في حالة وصول إلى الحقيقة بأسلوب ذكي جدا وذاتي جدا، أما الكاتب الروماني المنبت، الفرنسي الهوى يوجين يونسكو صاحب المسرحية الرائعة" الجوع والعطش"( ترجمها إلى العربية الدكتور حمادة ابراهيم وصدرت ضمن سلسلة المسرح العالمي الكويتية)، فإنه يثير سؤال السؤال في كتابه المميز "ملاحظات وملاحظات مضادة"، بصورة خاصة، وذلك عندما يذهب إلى أن السؤال يكتسب أهمية لافتة في الكتابة الأدبية الإبداعية، كونه يعبر عن راي ورؤية في الآن ذاته، ناهيك عن أنه يشكل من ناحية ثانية حافزا مثاليا لتفكير الاخرين.
اذا اعتبرنا العملية النقدية نوعا آخر من العمل الابداعي، يكمله ولا يعيش على هامشه، كما رأى العديد من النقاد الافذاذ، منهم الناقد العربي المصري غالي شكري صاحب الكتاب اللامع "شعرنا الحديث. إلى اين؟", فإنه يكون من المقبول والمرضي عنه إلى حد بعيد، أن يقف السؤال في صلب العملية النقدية، وان يتربع على عرشها، كما يتربع العاشق على عرش القلب، فيملكه، حسبما تقول اغنية "عندك شك بأيه" لسيد مكاوي، ولا يجد بعد ذلك داعيا لأن يفقد طمانينته ورضاه بحالته الغرامية. يعزز أهمية السؤال في الكتابة النقدية، أن السؤال في كل حالاته، عادة ما يكون واحدا، يتم طرحه من قبل الناقد بتمكن وعمق، في حين أن الجواب عادة ما يتعدد بتعدد القراء من ناحية، وربما يحتاج إلى أن تتوكل بتقديمه المؤسسات الثقافية الفاعلة والمعنية من ناحية اخرى.
أضف إلى هذا، أن الناقد المتبحر، عادة ما يكون متمكنا من طرح سؤاله، حينا بصيغة بلاغية، لا تحتاج إلى الرد وتتضمن الجواب في ثناياها، كما أنها قد توحي بالجواب في أعمق اعماقها، بمعنى أننا إذا ضمنا متابعتنا في نقد الحالة الشعرية، وتطرقنا عينيا، إلى ظاهرة نراها سلبية، مثل ظاهرة العربدة والصراخ في إلقاء البعض لما كتبوه وانتجوه في مجال القول الشعري ، فإنه يبات من المفروغ منه أننا طرحنا السؤال واصفين الداء ضمن محاولة لتقديم الجواب، أو الدواء الضمني، ممثلا في إيحائنا بأن المطلوب، هو ألا نعربد والا نصرخ وان نمنح بالتالي كل نأمة وحركة استحقاقها في جمالية المكتوب أولا الملفوظ الشعري ثانيا.
في سياق متصل نقول، أما إذا انتقدنا الكتابة النسائية الشعرية، طارحين السؤال حول كينونتها النثرية بالمجمل، فإن الجواب المطلوب هو أن تقوم النساء، الشواعر المقصودات تحديدا، بالتخصيص وليس بالتعميم، بدراسة عروض الشعر العربي ممثلة في ستة عشر بحرا، وان يقمن بالإضافة إلى هذا بقراءة مكثفة للشعر العربي الجميل حتى يستقيم ويغتني القول الشعري لديهن.
السؤال بهكذا وضعية لا يمكن أخذه على اعتبار أنه تعميم، بقدر ما هو تخصيص عيني، في كينونته الذاتية وفي توجهه إلى حالة أو أكثر محددة، فجميعنا يعلم في العمق البعيد، ان الحديث اي حديث والسؤال النقدي اي سؤال، عادة ما يتمحور في قاعدة محددة ولا ينسى أن لكل قاعدة استثناء، بالضبط كما أنه توجد هناك لكل قاعدة تدرجاتها. بمعنى أن عملية العربدات والصرخات، لا يمكن مهما حاولنا وصفها، أن تكون بدرجة واحدة وإيقاع واحد.
ان العملية النقدية الأدبية بهذا، تسعى ضمنا، إلى تصويب ما هو معوج ويحتاج إلى شيء من التقويم في المسيرة الشعرية، وذلك عبر اكتفائها بطرحها السؤال البلاغي، الذي لا يحتاج إلى جواب، لأن هذا الأخير/ الجواب، يعتبر أحد جوانبه الخفية المطروحة ضمنه وفي داخله، من ناحية، وهو ما يعني في أغواره البعيدة السحيقة، أننا إنما نطرح السؤال أو الداء، في متابعتنا النقدية الأدبية، مضمنين إياه الدواء الذي يعتبر من بعض جوانبه دواء شافيا من وجهة نظرنا، وغير متغاضين عن أنه يوجد حق لكل قارئ لما كتبناه وطرحناه من أسئلة، في التفكير بحالته الخاصة، أنه يوجد لكل داء دواء، العثور عليه ليس مستحيلا، وان كل ما يتطلبه للعثور عليه، هو بذل المزيد من الجهد للفهم القويم، وربما فهم المقروء.