استدعاء وتوظيف الخطاب الديني في الحرب على إيران: لماذا؟
لم تمض أيام قليلة على تصريحات السفير الأمريكي لدى تل أبيب، مايك هاكابي، التي تحدث فيها عن "حق توراتي" لإسرائيل في أجزاء واسعة من المنطقة، حتى اندلعت الحرب على إيران. ولا شك أن هذه التصريحات كانت مؤشرًا واضحًا على طبيعة الخطاب الذي يرافق هذه المواجهة. فاستدعاء "الحق التوراتي" إلى ساحة السياسة الدولية يكشف أن الصراع الجاري لا يُقدم فقط بلغة المصالح والتحالفات، بل يُغلف أيضًا بسرديات دينية تمنحه شرعية رمزية مؤدلجة تتجاوز حدود الحسابات الجيوسياسية التقليدية.
هذا التداخل بين الدين والسياسة ليس جديدًا في المشروع الصهيوني، لكنه يظهر في هذه الحرب بصورة أوضح. فمنذ اللحظة الأولى للحرب على إيران جرى توظيف رموز دينية في توصيفها، إذ أُطلق عليها بداية اسم "درع يهودا" في إحالة إلى قبيلة يهوذا في السردية التوراتية، قبل أن يتغير الاسم لاحقًا إلى "زئير الأسد". ويرتبط رمز الأسد في النصوص التوراتية بسبط يهوذا، كما ورد في سفر التكوين: "يهوذا جرو أسد… جثا وربض كأسد وكلبوة، من ينهضه؟". كما يستحضر تعبير "زئير الأسد" صورة القوة التي لا يُقاوَم اندفاعها، كما جاء في سفر عاموس: "الأسد قد زمجر، فمن لا يخاف؟". وهكذا لا يبدو الاسم مجرد توصيف عسكري، بل استدعاء لرمزية دينية تُقدم الحرب بوصفها امتدادًا لسردية تاريخية عن القوة والغلبة.
ولا يقتصر استدعاء هذا الخطاب على الرموز اللغوية أو أسماء العمليات، بل يظهر أيضًا في الخطاب السياسي للقادة الإسرائيليين، وفي مقدمتهم بنيامين نتنياهو، الذي يُعد من أكثر الساسة الإسرائيليين توظيفًا للمرجعيات الدينية في خطابه السياسي. فقد دأب نتنياهو، خصوصًا في لحظات الحرب والأزمات، على استحضار نصوص توراتية وقصص دينية لتأطير الصراع، كما فعل في بداية الحرب على غزة عام 2023 حين استدعى روايات توراتية عن المعارك الوجودية للشعب اليهودي، وقدم المواجهة بوصفها امتدادًا لصراع تاريخي طويل بين إسرائيل وأعدائها. وقد تناولت هذه المسألة بشيء من التفصيل في مقال سابق بعنوان "دوافع استحضار الخطاب الديني في الحرب على غزة".
ويرتبط هذا التوظيف المكثف للخطاب الديني بعدة عوامل تتصل بشخصية نتنياهو وموقعه السياسي. فمن جهة، يدرك نتنياهو القوة التعبوية للرموز الدينية في المجتمع الإسرائيلي، خصوصًا لدى التيارات القومية والدينية التي تشكل قاعدة أساسية لائتلافاته السياسية. ومن جهة أخرى، ينسجم هذا الخطاب مع رؤيته السياسية التي تسعى إلى تقديم الصراع مع خصوم إسرائيل، سواء في غزة أو لبنان أو إيران، بوصفه صراعًا وجوديًا يتجاوز حدود السياسة اليومية. لذلك يلجأ نتنياهو إلى اللغة التوراتية لأنها تمنح الحرب معنى أعمق، وتحولها في المخيال الجمعي من مواجهة سياسية مؤقتة إلى حلقة في سردية تاريخية ممتدة تتعلق ببقاء الدولة اليهودية ومصيرها.
ويترافق هذا الخطاب الرمزي مع حضور ديني واضح في المشهد السياسي الإسرائيلي. فقد ظهر الرئيس الإسرائيلي يتسحاق هرتسوغ وهو يقرأ مقاطع من سفر أستير، في إشارة ذات دلالة رمزية قوية في الوعي الديني اليهودي، حيث تحكي الرواية التوراتية عن نجاة اليهود من مؤامرة إبادة في بلاد فارس. وفي هذا السياق، لا يبدو استحضار هذه القصة مجرد فعل تعبدي، بل إعادة تأطير للمواجهة الحالية بوصفها امتدادًا لصراع تاريخي بين اليهود و"فارس"، أي إيران في القراءة المعاصرة.
أما في الجانب الأمريكي، فيتغذى هذا الخطاب من الخلفية العقائدية للتيار الإنجيلي المحافظ، الذي يشكل أحد أهم ركائز الدعم السياسي لإسرائيل داخل الولايات المتحدة. فهذا التيار ينظر إلى قيام إسرائيل وتوسعها بوصفه جزءًا من تحقيق نبوءات توراتية مرتبطة بنهاية الأزمنة. لذلك لم يكن مستغربًا أن تترافق الحرب مع مباركات دينية من قادة إنجيليين للرئيس دونالد ترامب، حيث قُدمت المواجهة في بعض خطاباتهم بوصفها جزءًا من صراع كوني بين الخير والشر، أو خطوة على طريق تحقيق "الوعد الإلهي".
وهنا يستحضرنا كتاب "إيران النووية ومستقبل إسرائيل والشرق الأوسط: المواجهة مع إيران" للكاتب الإنجيلي الأمريكي مارك هيتشكوك، الذي يقدم نموذجًا واضحًا لكيفية قراءة الصراع مع إيران من داخل هذا الإطار اللاهوتي. فالكتاب لا يتعامل مع إيران بوصفها خصمًا سياسيًا أو استراتيجيًا فحسب، بل يربط صعودها الإقليمي بنبوءات توراتية حول "فارس" في سفر حزقيال، ولا سيّما ما ورد في الإصحاحين 38 و39 عن تحالف يقوده شعب يُشار إليه باسم فارس ضد إسرائيل في نهاية الأزمنة. وفي هذه القراءة، لا تُفهم المواجهة مع إيران فقط ضمن توازنات القوة في الشرق الأوسط، بل تُقدم بوصفها حلقة في مسار تاريخي أوسع يرتبط بما يسميه التيار الإنجيلي "نبوءات الأيام الأخيرة".
بهذا المعنى، يتحول الصراع الجيوسياسي إلى جزء من سردية دينية كبرى، حيث تُقرأ التحولات السياسية والعسكرية في المنطقة باعتبارها مؤشرات على اقتراب تحقق النبوءات التوراتية. ومن هنا يمكن فهم كيف يلتقي الخطاب الديني الإنجيلي مع السردية الصهيونية في نقطة واحدة، تحويل إسرائيل إلى مركز الأحداث العالمية، وتقديم المواجهات الإقليمية – ومنها الصراع مع إيران – بوصفها جزءًا من مسار تاريخي ذي بعد لاهوتي يتجاوز حدود السياسة التقليدية.
لكن اختزال هذه الظاهرة في بعدها الديني فقط قد يكون اختزالًا لا يعكس الصورة الكاملة. فالخطاب الديني هنا لا يعمل بمعزل عن المشروع السياسي، بل يؤدي وظيفة أيديولوجية واضحة في خدمته. إذ يمنح التوسع الجغرافي بعدًا لاهوتيًا، ويحول السيطرة السياسية إلى تحقيق لوعد تاريخي أو نبوءة مقدسة. تمامًا كما استدعى قادة المشروع الصهيوني الخطاب الديني التلمودي وفكرة أرض الميعاد لتشجيع اليهود على القدوم إلى فلسطين، مع أن كثيرًا من مؤسسي الحركة الصهيونية الحديثة كانوا في الأصل قادة قوميين علمانيين متأثرين بالفكر القومي الأوروبي، فإنهم لم يترددوا في توظيف الرموز والنصوص الدينية التوراتية لإضفاء شرعية تاريخية ورمزية على مشروع الاستيطان في فلسطين.
وفي المحصلة، تكشف الحرب على إيران عن تداخل عميق بين المشروع الاستعماري الصهيوني وخطاب لاهوتي عابر للحدود، يجد في التحالف بين اليمين الإسرائيلي والتيار الإنجيلي الأمريكي أرضية مشتركة. وفي هذا السياق يجري استدعاء النصوص التوراتية والتلمودية والإنجيلية في لحظات الحرب لا بوصفها مرجعيات روحية فحسب، بل كأدوات تعبئة سياسية تُضفي على الصراع معنى يتجاوز حدوده الجيوسياسية، ليُقدم أحيانًا باعتباره تحقيقًا لوعد ديني أو حلقة في مسار تاريخي مقدر.