تحميل...

حين يتكلّم التراب

خالد عيسى
نُشر: 22:40

ليس الترابُ حفنةَ غبارٍ،

بل حنجرةٌ مطمورةٌ في خاصرةِ الريح؛

إذا مسَّها الوجعُ ارتفعتْ،

كأنّها مئذنةُ الطينِ في صلاةِ الغضب.

هنا،

حيثُ تمشي الخطى على أسماءٍ قديمةٍ،

وتتعثرُ بأحلامٍ لم تمتْ،

كان الصوتُ أوّلَ من تعلَّمَ البقاء.

يقولون: «الأرضُ صامتةٌ».

وأقول: بل نحنُ الذين فقدنا السمعَ،

حين استبدلنا نبضَها

بضجيجِ الخرائطِ المصنوعةِ من خوف.

أيّتها الأرض،

يا أمَّ الجهاتِ الأربعِ،

يا كتابَ الطينِ المفتوحَ على فصولِ النار،

علِّمينا كيف نصيرُ شجرةً

لا تركعُ للعاصفة،

بل تُربّي الريحَ في أغصانها.

صوتُكِ ليس أنينًا؛

إنّه نبوءةُ القمحِ

حين ينهضُ من قبرِه الذهبيِّ،

ويُعلنُ أنّ الجوعَ عارٌ،

وأنّ الخبزَ حقٌّ،

مثلَ الضوء.

في الحقولِ التي أرهقها الانتظارُ،

ينحني الفلّاحُ،

لا ليعتذرَ للسماء،

بل ليوقّعَ باسمِه

ميثاقًا سرّيًا مع الغيم:

أن تمطرَ العدالةُ،

كما تمطرُ المياه.

وأنا،

أمشي على ظهرِكِ

كمن يمشي على صدرِ أمِّه؛

أسمعُ دقّاتِكِ

تُصحِّحُ إيقاعَ قلبي،

وتقول:

«من لا يدافعُ عن ترابِه

يخسرُ المعنى،

ولو ربحَ العالم».

أيّتها الأرض،

يا فكرةً لا تُهزم،

يا وطنًا لا يُختصرُ في نشيدٍ،

كوني صرختَنا

حين تضيقُ اللغةُ،

وكوني سيفَ المعنى

حين تنكسرُ الكلمات.

فنحنُ منكِ،

كما يخرجُ الصوتُ من الجرح،

وكما يخرجُ الفجرُ من خاصرةِ الليل.

إذا سقطنا…

نعودُ إليكِ بذورًا،

وإذا انتصرنا

نرفعُكِ في حناجرِنا

رايةً من طينٍ ونور.

...