تحميل...

في زمن الحروب… الجميع يرفع راية النصر والجميع يخسر / بقلم: محمد دراوشة

محمّد دراوشة
نُشر: 13:52

في الشرق الأوسط، تتكرر الحكاية ذاتها مع كل جولة تصعيد: أصوات المدافع تعلو، والخراب يمتد، والناس تدفع الثمن، بينما تتسابق الحكومات والجيوش والسياسيون إلى إعلان “الانتصار”. وكأنّ النصر أصبح مجرد بيان صحفي، أو تغريدة، أو مؤتمر صحفي يعلن فيه المتحدث العسكري أن “الأهداف تحققت”. لكن الحقيقة التي يراها كل من يعيش في هذه المنطقة هي أن الحرب، أي حرب، لا تمنح أحدًا نصرًا حقيقيًا، بل تترك الجميع مثقلين بالخسائر، مهما حاولت الخطابات الرسمية تجميل المشهد.

الحرب الدائرة مع إيران مثال صارخ على هذا الوهم. فبينما تتحدث بعض الأطراف عن “ضربات ناجحة” و“إنجازات استراتيجية”، يتزايد القلق في دول المنطقة بأسرها، وليس في الخليج فقط. فالدول العربية — من المشرق إلى المغرب — تتابع المشهد بقلق بالغ، مدركة أن أي توسع في المواجهة قد يجرّها إلى دائرة صراع لا تملك السيطرة عليه. فالتوترات لا تعترف بالحدود، والصواريخ لا تميّز بين دولة مستقرة وأخرى غارقة في أزماتها. الجميع يشعر بأن المنطقة كلها تقف على أرض رخوة، وأن أي خطوة غير محسوبة قد تفتح الباب أمام سلسلة من التداعيات التي يصعب احتواؤها. ومع ذلك، تستمر بعض الأطراف في رفع راية النصر، وكأنّ إعلان الانتصار كفيل بإخفاء حجم الخسائر التي تتكبدها المنطقة بأكملها.

وما يثير المفارقة أن كل طرف في هذه الحرب يعلن انتصاره الخاص.

في الولايات المتحدة، يحرص الرئيس دونالد ترامب في كل مناسبة على التأكيد أن “أمريكا لا تخسر أبدًا”، وأن “أي عملية عسكرية تقوم بها القوات الأمريكية هي رسالة قوة ونجاح”. هذا الخطاب يخدم أهدافًا سياسية داخلية، لكنه يخلق فجوة واسعة بين ما يُقال للجمهور وما يحدث فعليًا على الأرض.

وفي إسرائيل، تتكرر النبرة ذاتها. فبعد كل جولة قصف أو عملية عسكرية، يخرج مسؤولون ليؤكدوا أن “الجيش حقق أهدافه”، وأن “الردع تعزّز”، وأن “العدو تلقى ضربة قاسية”. تصريحات تُقدَّم للجمهور باعتبارها دليلًا على التفوق والسيطرة، رغم أن الواقع على الأرض يبقى أكثر تعقيدًا بكثير.

أما إيران، فهي الأخرى لا تتردد في إعلان النصر. فبعد كل مواجهة أو استهداف، يخرج مسؤولون ليؤكدوا أن “المقاومة انتصرت”، وأن “العدو فشل في تحقيق أهدافه”، وأن “الرد الإيراني كان حاسمًا”. وهكذا يصبح النصر مفهومًا مرنًا، يمكن لكل طرف أن يعرّفه بالطريقة التي تناسبه.

ولا يختلف خطاب حزب الله كثيرًا عن هذا المشهد. فبعد كل اشتباك أو قصف أو عملية على الحدود، يخرج قادة الحزب ليؤكدوا أن “المعادلة تغيّرت”، وأن “العدو تراجع”، وأن “المقاومة فرضت إرادتها”. هذا النوع من التصريحات أصبح جزءًا ثابتًا من المشهد الإعلامي، حيث يُقدَّم الصمود باعتباره انتصارًا، ويُقدَّم استمرار المواجهة باعتباره دليل قوة، رغم أن الجنوب اللبناني يعيش حالة استنزاف مستمرة، وأن المدنيين هناك يدفعون ثمنًا لا يقل قسوة عن غيرهم.

وما يزيد المشهد تعقيدًا أن المنطقة تبدو وكأنها لا تتعلم من تاريخها القريب. فكل أزمة تبدأ بشرارة صغيرة، ثم تتدحرج كرة النار، ثم يبدأ سباق التصريحات. الجميع يعلن أنه انتصر، والجميع يصرّ على أنه خرج أقوى، بينما الحقيقة الوحيدة هي أن الخسارة جماعية. لقد رأينا هذا السيناريو يتكرر في لبنان، في غزة، في العراق، في سوريا، وفي اليمن. رأيناه يتكرر حتى أصبح جزءًا من الذاكرة الجماعية: حرب تبدأ بلا سبب مقنع، وتنتهي بلا نتيجة واضحة، وبين البداية والنهاية تُرفع رايات النصر فوق ركام المدن.

وفي قلب كل هذا، يبقى الإنسان — المواطن البسيط — هو الحلقة الأضعف. هو الذي يخسر بيته، ووظيفته، وأمانه، ومستقبله. هو الذي يسمع خطاب النصر في التلفاز بينما يعيش الهزيمة في حياته اليومية. هو الذي يُطلب منه الصبر والصمود، بينما لا أحد يصمد معه حين تنطفئ الكاميرات.

في النهاية، قد يكون السؤال الأهم ليس من انتصر، بل كم خسرنا جميعًا ونحن نبحث عن نصر لا وجود له. فالحرب، مهما حاول السياسيون تزيينها، تبقى مشروعًا خاسرًا للجميع. وفي زمن الحروب، يبدو أن راية النصر هي أكثر الرايات كذبًا، وأكثرها قدرة على إخفاء حجم الألم الذي يتركه هذا الوهم خلفه. وربما آن الأوان لنسأل أنفسنا: هل نريد حقًا نصرًا يُعلن في بيان، أم سلامًا يُبنى على أرض الواقع؟

...