تحميل...

اصنعوا السلام في أرض السلام قبل فوات الأوان

صالح نجيدات
نُشر: 10:45

اصنعوا السلام في أرض السلام قبل فوات الأوان والزمان، أوقفوا هذه الحرب ، لأن الأمور تتأزم، والنار المشتعلة لا تفرق بين بيت وآخر، ولا بين طفل وشيخ، ولا بين بريء ومذنب. كل الشعب يطلب وقف الحرب لمنع مزيد من سفك الدماء، ونطلب تحقيق سلاماً عادلاً بين شعوب المنطقة، لأن كل إنسان على وجه الأرض يحتاج إلى سلام حقيقي، سلام يعيش فيه آمنا على نفسه وأولاده وبيته ومستقبله.

حتى الحروب والغزوات عبر التاريخ رفعت شعارات السلام، وقالت إنها تحارب من أجل السلام ومنع الإرهاب ، ولكن الحقيقة أن العالم منذ أن خطا الإنسان على الأرض لم يعرف كيف يصنع سلاماً دائماً أو يحافظ عليه. فكانت معظم المحاولات تفاديا للحروب أحيانا، وتجنبا للمشكلات أحيانا أخرى، هربا من المواجهات في أحيان كثيرة، لكنها في النهاية كانت تؤجل الصراعات ولا تنهيها، وتؤخر الحروب ولا تمنعها، وكأن العالم يستعد دائماً لجولة قتال جديدة.

إن السلام الحقيقي لا يبدأ على طاولة المفاوضات فقط، بل يبدأ من داخل الإنسان نفسه. فالسلام الحقيقي هو سلام القلب، سلام الإنسان مع نفسه ومع ربه ومع الآخرين. لأن الإنسان الذي يمتلئ قلبه بالحقد والكراهية والأنانية والطمع بما يملك الآخرين من ثروات لا يمكن أن يصنع سلاماً، حتى لو وقع ألف اتفاقية. السلام لا يعيش مع الأنانية، والطمع ومع فكرة "أنا أولاً والجميع بعدي"، ولا مع من يريد أن يفرض رأيه وأهدافه ورؤيته بالقوة .السلام يبدأ من داخلنا، فإذا لم يكن في داخلنا سلام، فلن نستطيع أن نعيش بسلام مع الآخرين. فالإنسان الذي يعيش في صراع داخلي دائم، وفي قلق وخوف وكراهية، سينقل هذا الصراع إلى بيته ومجتمعه ووطنه، ثم إلى العالم كله. لذلك فإن السلام الحقيقي هو سلام القلوب قبل أن يكون سلام الحدود.

وقد قيل قديماً إن الظلام لا يطرد الظلام، بل النور هو الذي يطرد الظلام، والكراهية لا تطرد الكراهية، بل المحبة وحدها هي التي تطرد الكراهية. وهذه حكمة عظيمة، لأن الحروب لا تنهي الحروب، والعنف لا ينهي العنف، والانتقام لا يصنع مستقبلاً، بل يفتح أبواب انتقام جديد.فهل أصبح السلام صعب المنال؟

ربما ليس صعباً، لكنه يحتاج إلى شجاعة أكبر من شجاعة الحرب. فالحرب قرار سريع، أما السلام يحتاج إلى حكمة وصبر وتنازل وتفكير في مستقبل الأجيال القادمة، لا في مكاسب اللحظة.

السلام الحقيقي هو السلام الذي لا يقوم على الظلم، ولا على إذلال طرف لطرف آخر، بل على العدل والكرامة والاعتراف بحقوق الإنسان، لأن السلام بدون عدل هو هدنة مؤقتة، وسكوت قبل انفجار جديد.

فلنصنع السلام قبل فوات الأوان والزمان ، اصنعوا السلام ولا تدمروا الأوطان والمدارس والجامعات حتى لا يسود الجهل وقانون الغاب وقبل أن يكبر الأطفال على أصوات الطائرات والقذائف والصواريخ وعلى مناظر الدمار ، وقبل أن تمتلئ القلوب بالكراهية ،وقبل أن تصبح الحرب أمراً عادياً في حياة الناس.

افتحوا القلوب للمحبة، وللحوار، وللتسامح، لأن كل بيت يدخله السلام يدخله الفرح، وكل قلب يدخله السلام يخرج منه الخوف. ففي كل قلب يسكن السلام، يسكن الأمل، وتسكن الحياة.

الدكتور صالح نجيدات

...