حينَ يَكْتُبُ الشَّرْقُ مُعادَلَتَهُ
حينَ يَكْتُبُ الشَّرْقُ مُعادَلَتَهُ
لَم أَكُنْ ظِلًّا فِي كِتابٍ غَريبٍ،
وَلا حِكايةً تُرْوَى بِلِسانٍ لا يَعْرِفُ طَعْمَ التُّرابِ؛
كُنتُ فِكْرَةً تَمْشي،
وَتَكْتُبُ بِالنُّجومِ خَرائِطَها،
ثُمَّ حِينَ أَنْكَرْتُموني،
تَكَلَّمْتُ…
لا كَصَوْتٍ فَقَطْ،
بَلْ كَزِلْزالٍ.
قالوا: أُسْطُورَةٌ!
فَابْتَسَمْتُ كَمَنْ يَعْرِفُ الحَقيقَةَ،
ثُمَّ صَرَخْتُ:
الأُسْطُورَةُ أَنْ تَرَوُا الضَّوءَ
وَلا تَعْتَرِفوا بِمَصْدَرِهِ.
نَحْنُ لَمْ نَكُنْ حِكايةً،
نَحْنُ كُنّا البِدايَةَ.
هُنا،
حَيْثُ انْفَجَرَتْ «اقْرَأْ» فِي وَجْهِ العَدَمِ،
لَمْ يَكُنِ الدِّينُ قَيْدًا،
بَلْ كانَ شَرارَةً تُعيدُ تَشْكِيلَ الإِنْسانِ؛
كانَ الإِسْلامُ عَقْلًا يُقاتِلُ الجَهْلَ،
وَرُوحًا تُهَنْدِسُ الفَوْضى،
وَيَقولُ:
كُنْ…
بِعِلْمِكَ،
لا بِخَوْفِكَ.
مِنْ أَيْدِينا خَرَجَ الرَّقْمُ
لِيُقيمَ مِيزانَ العالَمِ،
وَمِنْ دَفاتِرِنا نَهَضَتِ الهَنْدَسَةُ
كَعَدالَةٍ تُرى،
وَمِنْ مَراصِدِنا
تَعَلَّمَتِ السَّماءُ أَنْ تُفَسِّرَ نَفْسَها.
لَمْ نَرِثِ الحَضارَةَ،
نَحْنُ كَتَبْناها،
ثُمَّ تَرَكْناها امْتِحانًا
لِمَنْ يَجْرُؤُ أَنْ يَفْهَمَ.
أَيُّها الَّذينَ كَتَبونا كَخُرافَةٍ،
وَزَيَّنوا جَهْلَهُمْ بِمَرايانا،
لَنْ نَطْلُبَ اعْتِرافَكُمْ؛
فَنَحْنُ لا نَحْتاجُ شَهادَةً
مِنْ غِيابٍ مُؤَقَّتٍ.
الحَقيقَةُ لا تَموتُ،
حَتّى لَوْ خُنِقَتْ
بِأَلْفِ كِتابٍ.
قالوا: تَأَخَّرْتُمْ،
فَأَجَبْنا بِهُدوءٍ يُشْبِهُ العاصِفَةَ:
نَحْنُ لا نَتَأَخَّرُ،
نَحْنُ نَنْتَظِرُ اللَّحْظَةَ
الَّتي يَسْقُطُ فِيها الزَّيْفُ وَحْدَهُ.
فَحِينَ يَضيعُ العالَمُ،
يَبْحَثُ عَنّا.
أَنا ابْنُ حَضارَةٍ
تَرى العِلْمَ عِبادَةً،
وَالسُّؤالَ صَلاةً،
وَالإِنْسانَ مَشْروعَ مَعْرِفَةٍ لا يَنْتَهي.
نَحْنُ الَّذينَ زَرَعْنا الزَّمَنَ،
كَيْ يَحْصُدَ غَيْرُنا ثَمَرَتَهُ،
ثُمَّ عُدْنا
لِنَسْتَرِدَّ المَعْنى.
لَنْ أَعْتَذِرَ،
لَنْ أَنْحَني لِمِرْآةٍ لا تَعْكِسُني،
سَأَكْتُبُ نَفْسي بِيَدي،
وَأَبْني مِنْ جَديدٍ،
لا لأَنِّي انْهَدَمْتُ،
بَلْ لأَنَّ البِناءَ
هُوَ لُغَتي الأُولى.
أَنا الشَّرْقُ،
حِينَ يَتَأَمَّلُ… حِكْمَةٌ،
وَحِينَ يَغْضَبُ… ثَوْرَةٌ،
وَحِينَ يَنْهَضُ… تاريـخٌ يُعادُ كِتابَتُهُ.
وَحِينَ أَكْتُبُ مُعادَلَتي،
لا أُوازِنُ العالَمَ فَقَطْ،
بَلْ أُعيدُ خَلْقَهُ.