هزيمة أوربان وحدود الشعبوية
إنّ هزيمة فيكتور أوربان بعد ستة عشر عامًا في رئاسة الحكومة الهنغارية تُعدّ مؤشرًا إيجابيًا، وقد تحمل دلالات أوسع تنعكس على توجهات الناخبين حول العالم. فقد مثّل أوربان نموذجًا للنظام السلطوي الشعبوي اليميني القومجي، المناوئ للديمقراطية وحقوق الإنسان، وقاد حكمًا اتّسم بالفساد وبمواقف عدائية تجاه اللاجئين والمهاجرين، وكان من أبرز الداعمين لكلٍّ من بنيامين نتنياهو ودونالد ترامب وممارساتهما.
كما يُعدّ أحد أبرز عراَّبي وممارسي الشعبوية التي تستهدف تقويض استقلال القضاء، وإضعاف وسائل الإعلام، وبثّ الكراهية بين المجموعات والتحريض ضد "النخب" وادعاء تمثيل "الشعب الحقيقي" وإرادته، فضلًا عن تعزيز السلطة التنفيذية على حساب السلطتين التشريعية والقضائية، ومناهضة مؤسسات التعليم العالي وتحدي اللياقة السياسية.
انتُخب أوربان عام 1993 رئيسًا لحزب "فيدس"، الذي كان آنذاك حزب يمين-وسط صغيرًا نشأ بعد انهيار الاتحاد السوفيتي.
وفي عام 1998، فاز في الانتخابات التشريعية مستفيدًا من وعود التزم بتنفيذها بما في ذلك تحسين الأوضاع الاقتصادية. وخلال ولايته الأولى، ركّز على السياسات الاقتصادية، فطرح برامج خصخصة للشركات الحكومية، وخفّض العجز، وقلّص ضريبة الدخل، وحافظ على معدلات تضخم منخفضة. كما عزّز تحالف المجر مع الغرب عبر الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي، والانخراط في مسار الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، إلى جانب تعزيز خطاب قومي في الداخل.
غير أنّ الأزمات الاقتصادية وفضائح الفساد التي تورّط فيها بعض قادة حزبه أدّت إلى خسارته الانتخابات مطلع الألفية الثالثة. لكنه عاد إلى السلطة عام 2010، ومنذ ذلك الحين بقي على رأس الحكومة. ومع بداية ولايته الثانية، تبنّى سياسات يمينية أكثر تشددًا، فكان من أوائل المعارضين لاستقبال اللاجئين، خصوصًا خلال تفاقم أزمة اللاجئين السوريين عام 2015، كما أقام جدارًا عازلًا على الحدود مع صربيا لمنع وصد المهاجرين.
وفي عام 2017، أُغلقت جامعة خاصة مرتبطة برجل الأعمال جورج سوروس( وهو من مواليد هنغاريا)، أحد أبرز منتقدي سياسات الهجرة وداعمي تطوير المجتمعات المفتوحة.
وخلال حملة 2018، ركّز أوربان على معارضة تعميق التكامل الأوروبي، ورفض التدخل الخارجي في شؤون بلاده، والحدّ من انتقاد سياساته في وسائل الإعلام.
وعلى المستوى المؤسسي، أجرى تعديلات واسعة على الدستور والجهاز القضائي عزّزت مكانته ومكّنت حزبه من توسيع نفوذه، بما في ذلك التأثير في تعيين القضاة. ووفقًا لدستور 2011، أُلغيت قرارات سابقة للمحكمة الدستورية ذات الطابع الليبرالي، واتجهت المحكمة نحو توجهات محافظة ومتماهية مع السلطة الحاكمة. كما أُنشئت محاكم إدارية موازية خضعت لسيطرة وزير القضاء ومُنحت صلاحيات في قضايا حساسة، مثل مراقبة قوانين الانتخابات، ضمن آليات تعيين قضاة تُكرّس هيمنة الحزب الحاكم.
وخلال جائحة كورونا، سُنّت في المجر قوانين استثنائية قيّدت بعض الممارسات الديمقراطية، بما في ذلك تأجيل الانتخابات ومنح الحكومة صلاحيات واسعة بما في ذلك معاقبة منتقدي سياسات الحكومة.
وفي الحملة الانتخابية الأخيرة، وجه أوربان سهامه تجاه المعسكر الآخر( المتمثل بحزب تيسا) متهماً إياه بأنه يقود البلاد إلى حرب على غرار الحرب في أوكرانيا، وأن زيلينسكي وماجار، رئيس الحزب سيعملان معاً ضد روسيا وبدعم من الاتحاد الأوربي وحلف الناتو. كما أكد أن أوروبا ذاهبة إلى أزمة كبيرة ولذلك من الضروري أن تكون هنغاريا قوية وموحدة.
ولا بدّ من التأكيد أنّ أوربان يُعدّ من أبرز عراَّبي الشعبوية، وهو من صاغ مفهوم "الديمقراطية اللاليبرالية". ويمكن وضعه ضمن موجة أوسع من القادة الشعبويين، من بينهم بولسونارو البرازيل، وبوريس جونسون رئيس حكومة بريطانيا اللذين هزما في الانتخابات، إلى جانب قادة ما زالوا في السلطة مثل ناريندرا مودي، وترامب في الولايات المتحدة، ونتنياهو في إسرائيل، وجورجا ميلوني في إيطاليا، وخافيير ميلي في الأرجنتين وآخرين.
وهذه إحدى مفارقات الديمقراطية التمثيلية، إذ قد تتيح، في بعض الحالات، صعود نماذج شعبوية تخاطب العواطف وتستخف بالعقول، وتستثمر الأزمات لتحقيق مصالح ضيقة، حتى لو ترتّب على ذلك أضرار جسيمة بالمجتمع والدولة.
وقد تناولت العديد من الدراسات ظاهرة الشعبوية في أبعادها النظرية والعملية، وخصوصا أن مفهوم الشعبوية من أكثر المصطلحات والمفاهيم الذي شاع في النقاشات السياسية في القرن الواحد والعشرين، مع ما يكتنفه من غموض ومراوغة كبيرين. ومن أبرز الباحثين الذين أسهموا في تحليل الظاهرة: كاس مودّه، وكريستوبل روفيرا كالتواسر، ويان-فيرنر مولر، وعزمي بشارة، وناديا أوربيناتي، وتاكيس.س. باباس، وبيير روزنفالون، وبنيامين موفيت ومنى خويص وحسن أوريد إلى جانب آخرين.
ولم يكن غريبًا أن يراهن قادة شعبويون على بقاء أوربان في الحكم، ومن بينهم فلاديمير بوتين ودونلاد ترامب، الذي أرسل نائبه جي دي فانس قبل أيام من الانتخابات لدعمه، بالإضافة إلى عدد من قادة اليمين الفاشي في بعض الدول الأوروبية مثل فرنسا وهولندا...
وقد عُرف أوربان بمواقفه العدائية تجاه حقوق الشعب الفلسطيني، وبخطاب معادٍ للمسلمين، وكان الزعيم الأوروبي الوحيد الذي استقبل نتنياهو بعد صدور مذكرة اعتقال بحقه عن المحكمة الجنائية الدولية، في تجاهل واضح للالتزامات الدولية.
أمّا الرئيس المنتخب بيتر ماجار، فلا تزال مواقفه غير واضحة تمامًا. فقد كان سابقًا من مؤيدي أوربان قبل أن يستقيل وينتقد سياساته. ومع ذلك، فإن حزبه "تيسا" يُصنّف كحزب يمين-وسط، ولا يزال يحتفظ بمواقف متشددة نسبيًا تجاه الهجرة، وإن كان يُظهر قدرًا أكبر من الانفتاح، ورغبة في مكافحة الفساد، وإجراء إصلاحات قانونية ودستورية، والالتزام بصورة أوضح بسياسات الاتحاد الأوروبي.
نأمل أن تكون الإدارة الجديدة في المجر أكثر انفتاحًا ودعمًا لحقوق الشعوب المقهورة، وفي مقدمتها الشعب الفلسطيني، وأن تعزّز قيم الكرامة والحرية والعدالة والمساواة وحقوق الإنسان. غير أنّ هذا التغيير، لكي يمتد أثره، يتطلب تنظيمًا سياسيًا فعّالًا، وانخراطًا حزبيًا حقيقيًا، ومشاركة شعبية واسعة في العملية الديمقراطية. فالنظم السلطوية والشعبوية، التي تعمل لخدمة مصالح ضيقة، لا بدّ أن تتراجع متى توفّرت الإرادة الجماعية القادرة على مواجهتها.
ومع ذلك، ينبغي الحذر من التسرّع في تأبين النظم الشعبوية المهزومة، إذ قد تستعيد حضورها بفعل مثابرتها، وشبكات العلاقات التي تربط بين المتنفذين فيها من رجال أعمال وسياسة وإعلام، فضلًا عن تردّي الأوضاع الاقتصادية في عصر وسائل التواصل الاجتماعي وهيمنة "نظام التفاهة". وما عودة ترامب ونتنياهو، بل وحتى أوربان نفسه في مراحل سابقة، إلا دليل على قابلية هذه الظواهر للتجدّد.
تبدو الحالة الإسرائيلية الراهنة شديدة الشبه بالتجربة المجرية في ظل حكم فيكتور أوربان، إلى حد يقترب من التطابق في عدد من السمات الأساسية: تصاعد خطاب الكراهية، وترسيخ ثنائية “نحن” في مواجهة “هم”، وتقييد الحريات، وتفشي الفساد.
في هذا السياق، تندرج سياسات حكومات بنيامين نتنياهو الأخيرة، التي سعت إلى إضعاف المحكمة العليا والجهاز القضائي، وتقويض استقلالية أجهزة إنفاذ القانون، والدفع نحو تغييرات جوهرية، إلى جانب محاولات التأثير في وسائل الإعلام والمؤسسات الأكاديمية ومنظمات المجتمع المدني.
ويجري ذلك في إطار تصور للديمقراطية يختزلها في حكم الأغلبية، مع تهميشٍ واضح لحقوق الأقليات، وعلى رأسها المجتمع الفلسطيني في الداخل، الذي يرزح تحت سياسات تمييز عنصرية ممنهجة.
وتتفاقم خصوصية الحالة الإسرائيلية بفعل استمرار الاحتلال، وما يرتبط به من ممارسات قمعية في الضفة الغربية، فضلًا عن الواقع الكارثي في قطاع غزة.
لقد أصبح التغيير ضرورة ملحّة، وتقع المسؤولية الأساسية فيه على عاتق الأغلبية اليهودية داخل إسرائيل، بوصفها الفاعل الحاسم في المعادلة السياسية. كما يمكن للمجتمع الفلسطيني في الداخل أن يؤدي دورًا مؤثرًا من خلال التنظيم والعمل السياسي والحزبي الفاعل.
فكما تم إسقاط نظام أوربان ينبغي إسقاط نظام نتنياهو ولو كان من منطلق أولوية درئ المفاسد.