تحميل...

كيفما تكونوا يولى عليكم

صالح نجيدات
نُشر: 10:05

هناك مقوله مثبته تاريخيا ان الحكام سبب فساد المجتمعات , فالحاكم الصالح هو الذي يدير شؤون رعيته وبلاده بالعدل والمساواة بين الرعية ويهتم بتطوير بلاده ويهتم برفاهية شعبه ورفع مستواهم الثقافي والاقتصادي ,وتُعد علاقة الحاكم بالمجتمع علاقة تأثير متبادل، غير أن الكفة تميل غالبا لصالح الحاكم في حالة جهل الرعية وضعفهم وقبول بطش الحاكم الظالم وعدم الثورة ضده وتغيره فكما قالت الحكمة " كما تكونوا يولى عليكم "وبالمناسبة هذه الحكمة ليست حديث نبوي بل قيلت على ضوء تجارب الشعوب،

الحاكم يمتلك من سلطة ونفوذ وقدرة على توجيه مسار الدولة. وعندما ينحرف الحاكم عن طريق الصواب، ويغرق في الفساد والاستبداد، فإن ذلك لا يبقى محصورا في دائرة السلطة، بل يمتد كعدوى إلى جسد المجتمع بأكمله، فيُفسد قيمة ويُضعف بنيته الأخلاقية والاقتصادية. ويسهل اختراق المجتمع من قبل اعدائه ويسهل تجنيد عملاء خونه من داخله .

فعندما يرى المواطنون أن المسؤولين ينهبون الثروات العامة، ويمارسون الرشوة والمحسوبية دون رقيب أو حسيب، وهذا الوضع نراة اليوم في العراق على سبيل المثال , تتشكل لديهم قناعة بأن النجاح لا يتحقق بالاجتهاد والعمل، بل بالتحايل والالتفاف على القوانين. وهنا تبدأ منظومة القيم بالانهيار، ويتحول الفساد من سلوك مرفوض إلى “ثقافة اجتماعية” يتبناها الأفراد لضمان بقائهم في واقع مختل وهذا نراه أيضا من قبل الأحزاب المتدينة في الكنيست تبتز الحكومة بملايين الشواقل مقابل دعم استمرارية الحكومة .

الحاكم المستبد لا يكتفي بإدارة السلطة، بل يعمل – بشكل مباشر أو غير مباشر – على إضعاف المجتمع وتفكيك بنيته الأخلاقية، حتى لا يشكل خطرا على بقائه. فهو يُهمش الكفاءات، ويُقصي أصحاب الضمائر الحية، ويُقرب المنتفعين وأصحاب المصالح، مما يؤدي إلى انتشار النفاق الاجتماعي، وغياب الصدق، وتراجع روح المسؤولية. وهذ الامر نراة امام اعيننا في إسرائيل وأيضا في مصر هذه الأيام وفي معظم الأنظمة العربية .

كما أن تكدس الثروات في يد الحاكم وحاشيته يُفقد المجتمع توازنه الاقتصادي، ويُعمق الفجوة بين طبقات الشعب. ومع ازدياد الفقر والبطالة، يجد بعض الأفراد أنفسهم مضطرين للانخراط في سلوكيات غير قانونية كوسيلة للبقاء، فتزداد معدلات الجريمة، ويتسع نطاق الفساد.

ومن أخطر ما يترتب على فساد الحكام هو غياب دولة القانون، حيث تُستبدل العدالة بالمحسوبية، وتُطبق القوانين بشكل انتقائي يخدم أصحاب النفوذ. وفي ظل هذا الواقع، يفقد المواطن ثقته بالمؤسسات، ويشعر بأن الالتزام بالقانون لا يجلب له سوى الخسارة، فيلجأ إلى تجاوزه. وهذا ما يحدث في بلادنا.

إن الحاكم الفاسد لا يستطيع الاستمرار في بيئة صالحة ترفضه، لذلك يسعى إلى خلق مجتمع يشبهه في السلوك والممارسة. وهنا تتجلى خطورة “سكوت أهل الحق عن الباطل”، إذ إن صمت الشعوب يمنح الحكام الفاسدين مساحة أوسع للتمادي، ويُطيل عمر الفساد والاستبداد.

ولا يمكن إغفال العوامل الأخرى المرتبطة بسياسات الحكام، مثل ضعف التعليم وانتشار الفقر، وغياب الشفافية والمحاسبة، وكلها تُعد بيئة خصبة لنمو الفساد. فحين تُهمش العقول، وتُحارب الكفاءات، ويُغيّب الوعي، يصبح المجتمع أكثر قابلية للانقياد، وأقل قدرة على التغيير في مجتمعاتنا العربية من المحيط الى الخليج.

وأخيرا وليس آخرا ، يمكن القول إن فساد الحكام ليس مجرد خلل في قمة الهرم، بل هو خطر يهدد المجتمع بأكمله، لأنه يضرب في عمق القيم والأخلاق. وإصلاح المجتمعات يبدأ بإصلاح منظومة الحكم، وإرساء العدالة، وتعزيز الشفافية، وتمكين الشعوب من محاسبة من يتولى شؤونها. فالحاكم الصالح يُصلح المجتمع، والحاكم الفاسد يُفسده.

المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط، وموقع العرب يفسح المجال امام الكتاب لطرح أفكارهم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع مساحة حرة في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية رأي حر. لإرسال المواد يرجى إرفاق النص في ملف وورد مع اسم الكاتب والبلدة وعنوان الموضوع وصورة شخصية للكاتب بجودة عالية وحجم كبير على العنوان: alarab@alarab.com

...