عندما يُهاجرُ الخبزُ من أيدي الفقراء
عندما يُهاجرُ الخبزُ من أيدي الفقراء،
أمشي أنا… ابنُ هذا الزمانِ المتعبِ،
أرقِّعُ جوعي بنشيدٍ،
وأعلِّقُ قلبي على بابِ مدينةٍ
لا تُفتحُ إلا للريحِ والغبارِ.
أمشي…
كأنَّ الطريقَ يتيمٌ مثلي،
يبحثُ في خطوي عن معنى،
ويتركُ في أثري ظلًّا
ينامُ كحارسٍ قديمٍ لا ينامُ.
وأقولُ للّيلِ:
كم مرّةً بعتُ ظلّي
كي أشتري وجهَ الصباحِ؟
وكم مرّةً صادقتُ جوعي
حتى صارَ لي اسمًا ووجعًا مقيمًا؟
أنا لستُ سارقَ نارٍ،
لكنني حين بردتِ المدنُ في داخلي،
كسرتُ أصابعي
وأشعلتُها في دمي
كي أرى وجهي من جديدٍ.
أرى الإنسانَ يُعادُ تشكيلُه كلَّ يومٍ؛
مرةً يُسمّى وطنًا،
ومرةً يُرمى فائضًا عن الحاجةِ،
ومرةً يُعلَّقُ على جدرانِ الصمتِ
كإعلانٍ بلا صوتٍ.
وأُحبُّ الذينَ يقتسمون الرغيفَ وطنًا،
ويزرعون في فمِ الجوعِ
أغنيةً لا تُرى، لكنها تُنقذُ العالمَ.
وأُحبُّ الذينَ،
إذا مرّت الريحُ في جيوبهم،
ابتسموا وقالوا:
ما زال في القلبِ متَّسعٌ لسماءٍ أخرى.
أنا واحدٌ منهم،
أقاسمُهم خطوَ الشوكِ والضوءِ،
وأصافحُ في عيونهم
آخرَ ما تبقّى من يقينٍ مقاومٍ.
أرى العدالةَ
تتعلّمُ لغةَ العمى كي لا ترى،
وأرى الحريةَ
كلمةً تُدرَّسُ ولا تُعاشُ،
وأرى الإنسانَ
يبحثُ عن نفسه في خرائط لا تشبههُ.
فإن سقطتُ،
لا تقولوا: ماتَ،
قولوا: تعثّرَ بالعدلِ
وهو يركضُ نحو الفقراء.
وإن عدتُ،
سأحملُ في كفّي
ما تبقّى من الخبزِ والمعنى،
وأوزّعهُ على الطرقاتِ،
كما تُوزَّعُ النجومُ
على ليلٍ لم يتعلّمِ بعدُ كيف يضيءُ.