تحميل...

الضفة الغربية… ساحة مفتوحة لرهانات نتنياهو واستقواء المستوطنين

محمد دراوشة
نُشر: 14:23

الضفة الغربية… ساحة مفتوحة لرهانات نتنياهو واستقواء المستوطنين

بقلم: محمد دراوشة

الضفة الغربية اليوم ليست مجرد منطقة محتلة تعيش تحت وطأة إجراءات عسكرية يومية، بل تحوّلت إلى مسرح واسع تُختبر عليه مشاريع سياسية، وتُصنع فيه صور القوة، وتُفرض عبره وقائع جديدة على حساب شعب أعزل. كل الدلالات تشير إلى أن المرحلة المقبلة ستكون أشدّ قسوة، وأن الاحتلال، بكل مكوّناته السياسية والأمنية والاستيطانية، يتصرف وكأن الضفة ملكٌ له، وكأن الفلسطينيين مجرد تفاصيل يمكن تجاوزها أو سحقها إذا اقتضت الحاجة.

في قلب هذا المشهد، يبرز اسم بنيامين نتنياهو. نتنياهو يبحث عن “صورة نصر” في الضفة الغربية، صورة يمكن أن يرفعها أمام جمهوره مع اقتراب الانتخابات المقررة لنهاية شهر تشرين الأول. فالرجل الذي يواجه تحديات داخلية، وانقسامات سياسية، وضغوطاً قضائية، يدرك أن الضفة هي الساحة الأسهل لاستعراض القوة، وأن أي عملية عسكرية أو تشديد ميداني يمكن أن يُسوّق كإنجاز أمني يعزز موقعه الانتخابي.

لكن نتنياهو ليس وحده في هذا الاتجاه. اليمين الإسرائيلي، بكل أطيافه، يشعر أن اللحظة السياسية مواتية له، وأن الدعم الأمريكي يمنح الحكومة مساحة واسعة للتحرك دون خشية من ضغوط دولية حقيقية. هذا الدعم خلق شعوراً بالحصانة لدى صناع القرار في تل أبيب، وجعلهم يتصرفون وكأن القانون الدولي مجرد نصوص بلا قوة، وكأن الفلسطينيين بلا حماية.

هذا الشعور بالحصانة انعكس مباشرة على سلوك المستوطنين. فتصريحات قادة استيطان تتضمن تهديداً صريحاً: “سنفرض وجودنا بالقوة”، “سنوسع المستوطنات بلا قيود”، “هذه الأرض يجب أن تُحسم لصالح المشروع اليهودي”. مثل هذا الخطاب لا يأتي من فراغ، بل من واقع ميداني يشهد توسعاً متسارعاً للبؤر الاستيطانية، واعتداءات متكررة على القرى الفلسطينية، ومحاولات لطرد السكان من أراضيهم عبر الترهيب والعنف الاجرامي الممنهج، في ظل غياب أي محاسبة.

الأخطر من ذلك هو محاولات جرّ الأجهزة الأمنية الفلسطينية إلى مواجهة مباشرة. فإن نمط الاقتحامات المتعمدة لمناطق خاضعة للسلطة، وعملياته التي تستهدف نقاطاً حساسة، ما هي إلا محاولة لدفع الشرطة الفلسطينية إلى ردّ فعل يمكن استخدامه لاحقاً لتبرير حملة أوسع. يبدو أن الهدف من هذا النهج هو إضعاف الأجهزة الأمنية، وربما تفكيكها، بما يفتح الباب أمام إعادة رسم السيطرة الأمنية على الضفة، ويتيح للمستوطنين التمدد في مناطق جديدة دون عائق.

وفي ظل هذا كله، يبقى أهالي الضفة هم الحلقة الأضعف. سكان عزّل يواجهون اقتحامات ليلية، وحواجز مفاجئة، واعتداءات من مجموعات استيطانية تتحرك بثقة مفرطة، تعمل فوق القانون. تقارير مؤسسات حقوقية دولية تحدثت عن ارتفاع ملحوظ في الاعتداءات على القرى الفلسطينية، وعن محاولات لطرد السكان من أراضيهم، وعن بيئة ميدانية “محفوفة بالمخاطر”، قد تنفجر في أي لحظة.

ومع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، قد يتحول هذا المسار إلى موجة تصعيد أكبر. فالتجارب السابقة تشير إلى أن الحكومات الإسرائيلية غالباً ما تلجأ إلى تشديد قبضتها على الضفة في اللحظات السياسية الحساسة، سواء لإرضاء قواعدها اليمينية أو لإظهار “الحزم الأمني”. وفي هذه المرحلة تحديداً، يبدو أن نتنياهو يسعى إلى استثمار كل لحظة لفرض وقائع جديدة على الأرض، بينما يجد المستوطنون في هذا المناخ فرصة ذهبية لتوسيع نفوذهم.

الضفة الغربية اليوم ليست مجرد جغرافيا محتلة، بل ساحة تُختبر فيها حدود القوة، وتُصنع فيها روايات سياسية، ويُعاد فيها تشكيل الواقع بما يخدم مشروعاً واضحاً. ومع استمرار الاستقواء الاستيطاني، ومحاولات جرّ الأجهزة الأمنية الفلسطينية إلى مواجهة، والدعم الدولي الذي يمنح الاحتلال مساحة واسعة للتحرك، تبدو الضفة وكأنها تُدفع نحو مرحلة قد تكون من الأكثر خطورة منذ عقود.

هذا المشهد ليس قدرا محتوما بل نتيجة مباشرة لسياسات تمارس على الارض بلا رادع ولنهج سلطوي يوظف الضفة الغربية كاداة في معارك انتخابية داخلية حيث تقدم حياة الناس وحقوقهم كوقود في لعبة سياسية تستخدم القوة لخلق صور انجاز تسوق للجمهور وما يجري ليس صدفة بل مسار مدروس تستغل فيه اللحظة السياسية لفرض وقائع جديدة وتثبيت سيطرة ميدانية تقدم لاحقا كدليل على الحسم والنجاح بينما يدفع الفلسطينيون الثمن كاملا في حسابات لا تراعي وجودهم ولا معاناتهم وفي ظل هذا النهج تتوسع شهية المستوطنين الذين يشعرون ان القانون وجد ليحميهم لا ليقيدهم وان الارض مفتوحة امامهم لفرض حضورهم بالقوة وان اللحظة السياسية تمنحهم غطاء للتحرك بلا خوف من محاسبة ومع كل خطوة على الارض يتكرس شعور بان المنظومة التي تتحكم بمصير الضفة تتحرك فوق كل مساءلة وفوق كل معيار للعدالة بينما يبقى الفلسطينيون وحدهم في مواجهة واقع يزداد قسوة يوما بعد يوم واقع تتداخل فيه القوة العسكرية مع الاندفاع الاستيطاني ومع حسابات سياسية داخلية لا مكان فيها لحقوق الناس ولا لامنهم ولا لكرامتهم.

...