تحميل...

معضلة الثقافة

ناجي ظاهر
نُشر: 23:56

بات من نافل القول ان الثقافة غدت منذ أمد بعيد ،مطلبا لا يمكن للكاتب الذي يريد ان يقدم مساهمة حقيقية وجديرة ان يتجاهله، فهناك كما سيأتي، اكثر من سبب يستدعي البعد الثقافي في الكتابة الادبية الجادة. اقول هذا وانا افكر في تلك الصديقة التي تنتقد ما يورده هذا الكاتب او ذاك من استشهادات، لهذا المفكر او ذاك الكاتب، ضمن ما يقدمه الى قرائه من كتابات ادبية وثقافية عامة وهادفة، كما اقوله وانا افكر في ذلك الذي لا يرى في البعد الثقافي المضمن، او المفترض ان يضمن، في ثنايا ما يقدمه الكتاب المثقفون الملمح اليهم  من مواد أدبية ثقافية عامة وهادفة ايضا.  كما سلف الا .. استعراضا للعضلات الثقافية والادعاء المعيب.

بغض النظر عما يظهره نقد تلك وادعاء ذاك، من مديح للجهل وعدم المعرفة، وغيبوبة ادبية ثقافية مخلة ومخجلة، فإنني اعود واؤكد انه لا يوجد كاتب حقيقي او حتى شاعر وفيلسوف، قدير وجدير، الا وبدا البعد الثقافي فيما يقدمه لقرائه، او لمن يتوقع ان يقرأه من الناس للتخفيف، ظاهرا جليا، إما عبر الاستشهاد، وإما عبر التضمين او التناص، اقراوا آيا من الكتاب العرب والاجانب المشهود لهم والمتمكنين، سترون ان ما يميزهم هو ذلك البعد الثقافي العام، وانه لا توجد كتابة لهم الا وتحفل بالثراء الثقافي، الذي يدل على مدى اطلاعهم وثقافتهم غير المحدودين.

ان الكاتب الذي يريد ان يكون وان يقدم ما يمكث في الارض، لا غنى له عن البعد الثقافي، الذي يدور الحديث عنه، اضافة الى ما تم الإلماح اليه ، نشير الى عدد من الاسباب والمسوغات، وفي مقدمتها ان الزاد او البعد الثقافي لدي الكاتب، انما يأتي ليقول لنا نحن القراء، ان الكاتب الذي يدور الحديث عنه، ليس نسيج وحده، اولا.. وثانيا انه انما يأتي استمرارا لمسيرة ثقافية عامة، وانه ثالثا ينتمي الى منظومة متواصلة الحلقات وان كلا منها تكمل الاخرى.

في التفصيل نقول اننا نعني بقولنا ان الكاتب ليس نسيج وحده، انه انما يواصل مسيرة سبق وابتدأت، منذ زمن ما، وان  ما يقوله ويذهب اليه، انما سبق وشغل عقولا اخرى جديرة وقديرة، اما فيما يتعلق بالاقتباس من السابقين، فانه انما يأتي اعترافا بانجازهم اولا، وتسنيدا لما يذهب اليه الكاتب من طروحات ورؤى، وغني عن القول فيما بتعلق بهذه النقطة، ان ما يقوم به الكاتب من اقتباس او اكثر، انما يدمج  القول بالمقول، اغناء للمجهود الإنساني العام، بمعنى انني لست نسيج وحدي في هذا العالم وانما انا استمرار لمسيرة وجهد انساني متواصل ولا انقطاع لحباله.

سبب اخر يدعم اهمية البعد الثقافي فيما يقدمه الكاتب الجاد والجدير، يتمثل في تعزيز ما يقوله الكاتب ويذهب اليه، يؤكد هذا ان الكاتب انما يقتبس اهم ما سبق وقيل في موضوعه المقدم للقراء، والايحاء من ثم بان موضوع كتابته انما هو موضوع هام، لذا سبق وطرقه اخرون ممن لهم الباع الطويل في القول والانجاز.

من الاسباب التي تستدعي البعد الثقافي في الكتابة الادبية، هو ما سبق وذهب اليه العديد من المنظرين الادبيين والنقاد، فيما يتعلق بالتضمين او الإشارة او التناص، وكلها تعابير متشابهة، فكل نص جديد انما هو جماع لنصوص سابقة من ناحية، وان الكاتب الجاد عادة ما يتفاعل مع ما سبق واطلع عليه في الموضوع سلبا او ايجابا، ومعروف ان التناص وفق الناقدين المغربي محمد مفتاح والبلغارية/ الفرنسية جوليا كريستيفا، عادة ما يتمثل في الاجتزاء من نص سابق واكماله/ المجتزأ، بما يود الكاتب ان يقوله، وكل هذا انما يقود الى العمق والرحابة في العطاء والقول. 

ماذا اريد ان اقول من هذا كله؟.. اريد ان اقول ان البعد الثقافي في الكتابة الادبية، ما هو الا تراكم وتواصل  ابداعي، سلبا وايجابا، وان الثقافة منذ كانت، ميزت الانسان العاقل عن نقيضه الجاهل، وقدمت الاول واخرت الثاني، فشقي الاول بعقله فيما نعم الثاني بجهله.  ولله في خلقه شؤون..اولا وثانيا وثالثا.

...