تحميل...

الهروب من الحقيقة يتحوّل إلى مشروع لمحو الإنسان

محمد دراوشة
نُشر: 14:24

منذ اللحظة التي رفع فيها لامين يامال علم فلسطين في احتفالات برشلونة، بدا المشهد أكبر بكثير من لاعب شاب يحتفل بلقب رياضي. كان فعلًا بسيطًا، لكنه كشف هشاشة سردية كاملة تحاول إسرائيل منذ عقود تثبيتها: سردية تقوم على إنكار الفلسطيني، ومحوه من الوعي، وتحويل وجوده ذاته إلى تهديد. وما إن ارتفع العلم حتى انطلقت ماكينة الغضب الإسرائيلية، من سياسيين يهاجمون، إلى معلّقين يتهمون، إلى مشجعين يمزقون قمصان اللاعب أمام الكاميرات، وكأن رفع علم شعبٍ آخر هو إعلان حرب.

لكن الحقيقة أن هذه الهستيريا لا تقول شيئًا عن يامال، بل تقول كل شيء عن إسرائيل. فماذا كانت تتوقع؟ أن يصمت شاب مسلم من أصول مغاربية، نشأ في عالم يرى في العلم الفلسطيني رمزًا للحرية والكرامة، بينما يشاهد ، مثل ملايين غيره ، مشاهد القتل والدمار والحصار؟ هل كانت تتوقع أن يختار الحياد في لحظة لم يعد فيها الحياد ممكنًا أخلاقيًا؟

الذعر من العلم الفلسطيني ليس مسألة أمنية، بل مسألة وعي. فالعلم يذكّر إسرائيل بما تحاول طمسه: أن هناك شعبًا له هوية، ورواية، وذاكرة، وأن هذا الشعب لم يختفِ رغم كل محاولات الاقتلاع. لذلك يُستقبل كل ظهور للعلم كتهديد، لا لأنه يهدد حياة أحد، بل لأنه يهدد رواية بُنيت على نفي الفلسطيني وتجريده من إنسانيته.

وهنا تكمن المفارقة: كلما حاولت إسرائيل محو الفلسطيني، ازداد حضوره قوة.

إسرائيل تريد من العالم أن يرى الفلسطيني فقط من خلال عدسة واحدة: الإرهاب والخطر. لكنها تفشل في فهم أن العالم تغيّر، وأن الأجيال الجديدة ، من الرياضيين إلى الفنانين ، ترى ما هو أبسط بكثير: شعبًا يعيش تحت احتلال، وحصار، وحرمان من أبسط حقوقه. ترى ظلمًا واضحًا لا يحتاج إلى تفسيرات معقدة.

وهذا الفشل في قراءة العالم هو ما يجعل ردود الفعل الإسرائيلية تبدو منفصلة عن الواقع، وكأنها تصرخ في غرفة لم يعد أحد فيها مستعدًا لتصديق روايتها القديمة.

غضب إسرائيل من يامال ليس غضبًا من لاعب، بل غضب من عالم لم يعد يقبل أن يُملى عليه كيف يرى الفلسطيني. عالم لم يعد يخاف من رفع علم، ولا من قول الحقيقة. وكلما اتسعت الفجوة بين ما تريد إسرائيل فرضه وما يراه العالم، ازدادت عصبيتها، وازدادت محاولاتها للسيطرة على السردية، حتى لو كان الثمن هو مهاجمة شاب لم يفعل سوى التعبير عن ضميره.

في النهاية، ما حدث مع لامين يامال ليس حادثة عابرة، بل علامة على أزمة أعمق: أزمة دولة تحاول الهروب من حقيقة وجود شعب كامل، لكنها تفشل في كل مرة يرفع فيها أحدهم علمًا يذكّرها بما تريد نسيانه.

وكلما ارتفع هذا العلم، ارتفع معه سؤال لا تستطيع إسرائيل الهروب منه:

إلى متى يمكن لدولة أن تبني سياستها على إنكار وجود الآخر؟

...